منارة الشرق

الوجه الآخر( قصة قصيرة ) | بقلم : مسيرة سنان – اليمن

حملت حقيبتي ، أعددت نفسي للخروج ، متناسيةً حجم الأسى الذي غلف ملامحي .

هذه القرية التي لم تعد تتسع لانغلاقي ، وأنا أخرج من منزلي بعد مرور شهر ونصف منذ افترقنا .
أقول في نفسي :
– ماالذي يجعل فتاةً مثلي تحزن على رجلٍ باعها،
وحاول أن يجعل منها جسراً يوصله بسلام إلى ضفةِ حياةٍ أخرى ، لست حياتها .؟

لم تكن خطيئتي أنني ولدت في بيت يعاني الفقر، خطيئتي الحقيقية أني تركت لك مجالاً لتعبث ببرائتي وتجعلني جسراً يوصلك في النهاية إلى صديقتي البرجوازية.
لكنك في كل الأحوال كنت ساذجاً للدرجة التي جعلتك تكبو وتتكسر بداياتك الزجاجية .

أتذكر الآن وأنا بالقرب من حقلنا، عندما أتيت إليّ متلهفاً؛
قلت لك يومها، أني أخجل من رائحة الأغنام التي علقت بملابسي ، فأحاول الهروب وتمنعني .
أمسكت بكفي بقوة وقبلتها عدة مرات حتى أشعرتني بأني اغتسلتُ تماماً .
أجلسُ في المكان نفسه الآن، أنظر لوالدي وهو يرتب الحقل ويقيم الأحجار المتشردة جانباً.
يوجه الأغنام لترعى في مكان العشب الأخضر .
العشب الأخضر ياجميل ، إنه رمزٌ لبدايات الأشياء، ويباسه هو إشارة واضحة بأن لا شيء يبقى على عهده.
قلت لي مرةً وأنت تشعل سيجارتك :
-أحلم ياليلى بالسفر ..
هززتُ رأسي، وأنا أشرد بخيالي بعيداً بعيداً حتى انطفأت ملامحي تماماً ، وشعرت أنني أتسرب من ثقوب أمنياتي الكثيرة ..
هززتني لأفيقَ من كبوةِ خيالي على واقعٍ أكبر مني ومنك .
بعد مضي عامين على تعارفنا،اتصلت بك وأخبرتك بأننا سوف نجتمع كلنا في حفلة ترحيب تليق بشذى رفيقة العمر.
سَأَلَتْنِيْ :
– من أين .؟
فأجبتك بأنها ستعود بعد سفرٍ طويل دام لخمسة أعوام من الولاياتالمتحدة الأمريكية .
-متزوجة؟ .. سألتني.
-مطلقة .. أجبتك.
لفك صمتٌ طويل حينها ، حتى أنك انطفأت قبل انطفاء سماعة الهاتف .
بعد وصول شذى من السفر، اجتمعنا نحن رفيقاتها في منزلها الكبير، الذي يشبه قصراً في الأحلام ، بل كان كذلك .
تفاجئتُ يومها بزيارة أختك نرجس، على غير عادتها
ارتدت أجمل ما لديها ، وبدت متحمسةً أكثر مني .
عيناها لم تفارق وجه شذى ، ووجهها يرتدي ابتسامةً باهتة كلون الحلق الذي علقته في أذنيها.
لم تجلس بقربي يومها، بل اختارت مكاناً يكون رديفاً تماماً لشذى.
شعرتُ يومها بريبةٍ تتأجج نيرانها في قلبي، كان الأمر بالنسبة لي؛ أشبه باحتراقٍ ببطء أتى على كل براءتك في عقلي..
ذهبتُ وجلستُ بقرب نرجس ، ابتسامتها الساذجة لم تفارق شفتيها ، وهي تقول لي :
-أخبرني جميل بأنه يفكر بأن تكون شذى من نصيبه.
وقع كوب الشاي من يدي ، وأنا أقرأُ لك رسالةً نصية وصلتني في ذات اللحظة تتوسل لي فيها بأن أكون أنا جسرك الذي يوصلك بضفة رفيقتي.
كان الوجع كبيراً، لدرجة أني فقدت شعوري لحظتها ،
لم يعد يتردد في سمعي غير صوتك وأنت تخبرني بأنني أجمل مارأت عيناك.
عيناك الكاذبتان، انكسر زجاجهما و هما تحدقان في وجه أختك نرجس حين أخبرتك بأن شذى لن تكون سفينة نوح لإنقاذ غرقى الحياة ..
هاأنا الأن، بالقرب من شجرة “البحرزافة ” ذاتها ، أنظر إليك على امتداد الشارع، وأنت تقف حاملاً أكياس بؤسك ؛ تعد خطوات المارين .

About عبد العزيز الفتح 134 Articles
محرر : عبدالعزيز الفتح . مواليد : اليمن ، المحويت 1986م هاتف: 00966502174946 أيميل: abdalaziz6542@gmail.com

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*