منارة الشرق

مقال مثير للجدل //بقلم الكاتبة اسمهان الماجري_تونس (كل الفئات قد تنضوي تحت سقف ثقافة القطيع)

كيف  لثقافة القطيع أن تكون ثقافة الجميع لا ثقافة العامة فقط؟

ثقافة القطيع ذاك المخلب الحاد الذي كان ولازال يشق عقل المجتمع العربي ويمزق كل ثوب مفارق لبقية الأثواب،ثقافة القطيع التي تئد كل مرتد عنها وتدفنه في قبر الشذوذ ،ثقافة القطيع تلك الثقافة التي عرفت بثقافة العامة والبسطاء والأميين في المخيال الجماعي الذي لا ينتمي للعامة،ثقافة التقليد الأعمى والتكرار الأصم ،ثقافة اجترار كل التفاصيل الحياتية للسلف والأجداد بكل شوائبها مع تحطيم لكل الغرابيل النقدية أو سد ثقوبها كي لا تسقط ذرة واحدة من أمجاد من سبقوا اجترار تسبب في اجتراح الحلق العربي الذي غص بوأد الأحلام وذبح المرأة وتمجيد رجولة شهريار الشرق،ولكن أليس القطيع مجموعة من الهم ؟وبالتالي الهم  لا تقتصر على العامة،هناك هم المتعلم وهم المثقف وهم الحداثي وهم المحزب وهم المبدع

فهل حقا مجتمعنا به قطيع واحد هو قطيع العامة؟

.كبداية ينبغي أن نفرق بين مصطلحات هامة هي :متعلم ومثقف ومتحضر من ناحية وأمي وجاهل ومتخلف من ناحية ثانية ،فالمتعلم هو من يتقن القراءة والكتابة ونقيض متعلم أمي والأمي هو الذي لا يحسن لا القراءة ولا الكتابة ،أما تعريف المثقف فهو أشمل من تعريف المتعلم ،فالمثقف هو الذي يملك من المعرفة أكثر مما تعلمه في المدارس والمعاهد والجامعات ،لنقل التعلم يكون بإرتياد المؤسسات التعليمية أما التثقف فمصدره الرئيسي الكتب والقراءة وضد مثقف جاهل أي الشخص الذي لا يمتلك معرفة موسوعية وإن كان يتقن القراءة والكتابة وبناء على هذا نستطيع القول بأن كل مثقف متعلم وليس كل متعلم مثقف ،أما المتحضر من منطوري فهو كل شخص أنيق السلوك والقول والفعل هو الشخص المهذب الذي لا يملك تعصب الجاهلية الأولى ،بينما المتخلف هو عنيف القول والفعل وإن كان متعلما ومثقفا إلا أنه تمسك بطبع من سبقوه من عامة فترات تاريخية سابقة .بينما قد نجد أميا جاهلا متحضرا حسب ما سبق ذكره من مقاييس.

فمن الأخطاء الشائعة في مجتمعنا الجمع بين متعلم ومثقف ومتحضر في باقة وأمي وجاهل ومتحضر في باقة أخرى ،نستطيع أن نشبه الباقة الأولى بباقة الورد والباقة الثانية بباقة الصبار أو الأشواك،وهذا تقسيم مزيف ،فالورد قد يجتمع مع الأشواك في باقة واحدة ،ذلك أن متعلم ومثقف ومتحضر ليست من المترادفات لا في اللغة العربية ولا في أي لغة أخرى،كذلك أمي وجاهل ومتخلف ليست من المترادفات.

..لذا نستطيع أن نقول مثلا بأن المتعلم أو المثقف أو الحداثي ينتمي للقطيع إن كان مثلا عنيف ردات الفعل غليظ السلوك شاتما للمختلف وبالتالي هو متخلف أخلاقيا حيث تطبع بأخلاق الجاهلية الأولى وهمجيتها وعنفها ،لنتخل الآن عن لفظ متعلم ونكتفي بلفظ مثقف بحكم أن هذا الأخير أشمل من الأول ،فالمثقف أيضا ينتمي إلى قطيع ما ،فهو نسخة مشابهة لنسخ أخرى نسخ تجلس في مقاعد كل ندوة فكرية أو تظاهرة أدبية منها من يحادث من يجلس جانبها ومنها من تبحر في الأنترنات وكلها تنتظر صورا توثق إنتماءها للنخبة المثقفة نخبة المظاهر والتزييف والبحث عن لقب مثقف،المثقف الذي قد ينتمي لقطيع العامة تحديدا المثقف العادي أو المثقف الكاتب المبدع :لنأخذ مثلا الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ صاحب جائزة نوبل للآداب ،ومن منا لا يعرفه،هذا الكاتب الذي كان من القطيع ،قطيع العامة تحديدا فقد كانت نظرته للمرأة نظرة رجل شرقي ،نظرة القطيع لها ،كانت المرأة في رواياته دائما منكسرة ومنهزمة ،أما عن موقفه العام منها لا أستطيع أن ألخصه أفضل من تلخيصه في قوله :(أنا أعتقد أن المرأة لها حق التعليم والعمل وهذا موقفي الفكري أما من الناحية الشخصية والأنانية فأنا يسعدني أن تكون زوجتي ربة بيت)

كما يقول :(اخترت الزوجة المناسبة لظروفي،لم تنشأ بيننا قصة حب سابقة على الزواج ،كنت فقط في حاجة إلى زوجة توفر لي ظروفا مريحة تساعدني على الكتابة ولا تنغس حياتي).

نعم الكاتب الكبير نجيب محفوظ تزوج زواجا تقليديا من إمرأة عادية كي تكون ربة بيت تقوم بكل الشؤون المنزلية وتسهر على راحته ولعله لذلك أخفى زواجه لعشر سنوات إلى أن أفتضح فجأة ،نعم وألف نعم نجيب محفوظ هذا الإسم حمله رجل ينظر للمرأة نظرة تقليدية ،نظرة العامة ،نظرة القطيع ،أما شريف شحاته أحد أزواج المفكرة نوال السعداوي وطليقها فيما بعد كان مفكرا ماركسيا ،يدعو لتحرر المرأة بخطب منمقة لكنه اعتبرها جارية حيث خان نوال السعداوي،فكيف يدعو لتحرر المرأة ويخونها في نفس الوقت؟لماذا خانها خارج إطار الزواج ولم يتزوج عليها رغم أن القانون المصري يسمح بذلك؟الإجابة سهلة كي يحافظ على ألقابه من مثقف وحداثي ومتحرر، متناسيا أو ناسيا أن ثقافة العشيقات نفسها ثقافة الجواري،كذلك النسوية  هدى الشعراوي داعية تحرير المرأة ونزع الحجاب،رفضت زواج إبنها من مطربة ،فما كل هذا التناقض بين الفكر والحياة الشخصية،من منظور شخصي لا أرى حرجا بأن تكون الذات الشاعرة للشاعر كاذبة لأن أجمل الشعر أكذبه ،ولأن الشعر فن بينما أن الضروري بل من الإلزام أن تتطبق الذات المفكرة مع فكرها ،وأن لا يكون هناك إنفصاما بين ذات المفكر وفكره،أن يكتب المفكر بوجهه لا خلف قناع ،ولا أدين نجيب محفوظ بقدر إدانتي لشريف شحاته وهدى الشعراوي لأن نجيب محفوظ كتب بوجهه ولم يتناقض شخصه مع مضمون روايته،أما قاسم أمين صاحب كتاب تحرير المرأة كانت زوجته تغطي وجهها ولا نعلم إن كان هو من رفض سفورها أو إن كان فشل في إقناعها بفكره ولعلنا إن بحثنا في الحياة  الشخصية للطاهر الحداد وغيره لصدمنا.

حتى الشاعر والفنان والرسام والمسرحي كلهم قد ينتمون لقطيع ممن سبقهم إن قلدوا،فمعظم الناس يتبنون أفكار غيرهم ويدافعون عن آراء شخص آخر يرونه مثالا وقدوة وهذا يوجد بدرجة أولى في صفوف العامة وفي صفوف المتحزبين كذلك الذين يتبنون فكرا ما  مهما كان ويرفضون الإعتراف بثغراته،فمن المستحيل أن نجد شخصا ما ينتقد فكرا يتبناه أو يعترف بدمويته ،بل وأكثر من ذلك نجده يجرم بقية المذاهب وماخالفه من فكر ،فمجتمعنا مجموعة قطعان ،لذلك كي لا تنتمي لأي منها لتتبن الإيجابي من كل واحد فيها ولتقص السلبي ،ليكون لك فكرا لا ينتمي لأي قطيع وإن كان ذلك شبه مستحيل لأننا نعيش في مجتمع نتجرع حلوه ومره سواء بوعي أو دون وعي وإن نجحت وصنعت لك فكرك وطابعك وبصمتك الخاصة وكنت قائد نفسك ستتقاذفك القطعان وهو ماعبر عنه علي شريعتي في قوله :أنا عند الإسلاميين شيوعي وعند الشيوعيين اسلامي لأن المفكر الحر يستحيل  تصنيفه مما سبق مهما كنت مختلفا ستصنف داخل قطيع ما ،لأن الإنسان كائن إجتماعي بطبعه ،لكن لا ينبغي أن ننسى أن الجميع ينتمون لقطيع ما ،وإن كان منهم من يظن عكس ذلك ،فالرجعية تقليد والحداثة تقليد ،الإيمان تقليد والإلحاد تقليد ،مهما كنت أنت في النهاية تقلد مجموعة ما ،قد لا تجرؤ على نقدها.

#إسمهان الماجري_تونس

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


طباعة المقال طباعة المقال