منارة الشرق

تفاريد وداع خان النص والمشهد بقلم الشاعر الفلسطيني محمد صالح غنايم

{ … تفاريدُ وداعٍ خانَ النصَ والمشهدَ … }

– ما الذي يجعلُ الوداعَ قاسياً قابَ عثرتينِ من احتضارِ الحكايةِ ؟ يَهِبُّ على المشهدِ كيسَ عواصفَ تقتلعُ الشجرَ والخيامَ وحجارةَ الأسوارِ العتيقةِ والقلاعِ العاليةِ ؟
– حين أنتبهُ إلى غيابها بَغْتَةً , أبحثُ عنها ولا أجدُها , فيلقِي الغيابَ عليَّ معطفَهُ الرماديَّ , وأعودُ مُتَّكِئاً على عُكّازينِ من قصبٍ هشٍ , أَحملُني على كتفي فأهوي مع الظلالِ المُشاكسةِ في اخاديدِ التأويلِ صخرةً تلوَ صخرةٍ وحجراً بعدَ حجرٍ ..
– متى تفتقدُها ؟
– حينما تستبيحني الرياحُ المهاجرةُ خطوةً فخطوةً من أقصايَ إلى أقصايَ , فتحملُ في هوادجِها بقايايَ وكلَّ شيءٍ , ألتفتُ حولي فلا أجدُها وهي التي كانتْ تستوطنُ الزمانَ والمكانَ أقواماً وقبائلَ , وهي التي كانتْ صدى أناتِ أيامي الماضيةِ وبوحَ القصيدِ الباكي , فالفجرُ بعدَ هذا الرحيلِ لن يطلعَ سافراً من زنودِ من نحبُ , ولنْ ترقصَ الطيورُ المُشاكسةُ مع الملائكةِ الصغارِ , ولنْ تضيءَ الفراشةُ المضيئةُ عتمَ زهرةٍ باهتةٍ على راحةِ آذارَ , ولنْ تلامسَ الأطيافُ ذُرى النورِ المُناجي في أمسيةٍ تتجلى فيها الرُؤى في الوادي المقدسِ , ولن يتوهجَ الحالمونَ قناديلَ على قناطرِ الأندلسِ …
– ما الذي تنتظرُهُ في هذا الوجومِ بعد أن أنهكتْكَ تباريحُ الرحيلِ ؟
– أن أُرجِِئَ غدي غروبينِ ومطلعَ شمسٍ حتى أستطلعَ الطريقَ الترابيةَ , فتمتدُ بي الأرصفةُ شعاعينِ إلى المحالِ , ويتسعُ الفضاءُ كي يكونَ مسرى للأحصنةِ المُجنحةِ وللبراقِ الطائرِ فأرحلُ ألى حيثُ رحلتْ , أُعانِقُها وأهوي بينَ ذراعيها طفلاً بريئاً وأحلمُ …

وأُوَدِعُكِ في ألحكايةِ ذاتِها
حيثُ ابتدأنا ..
كان ألوداعُ طريقاً ذا اتجاهينِ
ضِعْنا فيه مرتينِ
فلا دَلَّنا على آخرِهِ ألعابرونَ
ولا عانقَتْ بوصلةُ المدى
جهةً أغوتْ الريحَ
ولا نجمةً في أولِ الحبِ
في أطرافِ ألشمالِ ألمُشتهى …
كانَ سيفاً قاطعاً ذا نصلينِ
قُتلنا بهِ مرتينِ
مع رَقْصَةِ البَجَعِ الأخيرةِ
في ميادينِ آهاتِنا ..
ذُبحنا بهِ مرتينِ
في معابدِ الألمِ
على مذبحِ شكوكِنا
وصلينا في المحرابِ
صلاةَ الغائبِ
على من نحبُ ..
والوجعُ منذكِ ليلكتي الذاوية
ما زالَ يحذوهُ الوجعُ
والحزنُ يرافقُهُ الحزنُ
والنزفُ ينادي النزفَ
تلو النزفِ ..
فلا عادتْ قبلئدٍ زليخةُ إلى يوسفَ
ولا عدتِ أنتِ إليَّ
ولا أنا عدتُ
إلى أولِ الطريقِ
كي أبدأَ من جديدٍ ..
وأبكيكِ في المكانِ ذاته
حيثُ التقينا ..
كانَ الوداعُ
وجهاً آخرَ للمأساةِ
لم يعرفْهُ هوميرُ ..
وتَقَمُصاً لكلِّ أشكالِ ألوجعِ
أورثنا إياهُ ألحالمونَ
عندما مَشُوا حفاةً عراةً
على أشواكِ السرابِ ..
والشعراءُ حينما تدلوا
قصائدَ دامعةً
على عوسجِ ألهاويةِ
فتفشي ألحزنُ في أروقةِ القصيدِ
ليالٍ من رمادٍ
تذرفهُ ألكناياتُ
دمعتينِ وأكاليلَ بنفسجٍ
وتنزوي كأمٍ ثاكلٍ بينَ الأسطرِ
في ثوبِ ألحدادِ …
كان الوداعُ هدنةً صامتةً بين ألدلاءِ والساقيةِ
حتى يعودَ ألمطرُ
وينتهي صيامُ ألسحابِ ..
وتنهيدةَ عشتارَ المُشَظَّاةَ
حين عادَ موكبُ ألآلهةِ
لا يحملُ أودونيسَ
فالتَهَمَتْها أفواهُ الصمتِ
وقصتْ ضفائرَها في معابدِ بابلَ
قطعانُ ألخيباتِ …
كانَ غيبوبةَ حدسٍ مبعثرٍ
في أحضانِ صدى ألكلماتِ
مَلَّتْ انعكاسَ ألنرجسِ
في مياهِ ألنهرِِ
فشكَتْ نرسيسَ المغرورَ
إلى زيوسَ العظيمِِ ..
وأرويكِ في الزمانِ ذاته
حيثُ تغرَّبْنا
روايةً كاريبيةٍ حزينةً ..
عزفَتْ غربتُنا الرباباتِ الراجفةَ
في خيامِ ألبدوِ الرُحلِ
لذاكرةٍ تتأرجحُ بين ألغدِ المُنتظرِ وألأمسِ الطريدِ
يمرُّ الزمنُ مُتَعَجِلاً على عتباتِ تشردِنا
لا يأبهُ لأحدٍ
فلا يقفُ ألهنيهةَ ليُقرأَهَا ألسلامَ
ولا يرفُو جواربَ الحكايةِ ألممزقةَ ..
كانتْ الغربةُ موطئاً للتائهينَ
على رخامِ مشهدٍ سرياليٍ رامحٍ
في مسرحٍ مهجورٍ ..
وحكواتياً للضياعِ
لا يكترثُ بالتاريخِ وألأشجارِ والموتى
ينضُو عنهُ ثوبَ ألوجوديةِ
ويدعو ألذئبَ للرقصِ مع ألخرافِ في حفلةِ زارٍ صوفيةٍ
فتهمسُ ألجدرانُ والتواشيحُ للخرافِ :
“لا يضُوعنَّكِ ما تسمعينَ منهُ فالغدر ينبضُ في داخلهِ ”
كان الوداعُ صدى للغيتاراتِ الناشجةِ
في سرايا الغيابِ
وبوحَ الورقِ الأصفر
حينَ اسْترحمَ الخريفَ أن يعيدَهُ إلى أمِهِ الشجرةِ
فأبى وتكبرَ ..

محمد صالح غنايم
محمد صالح غنايم
About أمين الملحاني 631 Articles
محرر : م. أمين الملحاني ، مهندس برمجيات ، كاتب محب للشعر و الأدب. البلد : اليمن   . هاتف:00966554241989 . ايميل : eng.aaha13@gmail.com  .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*