منارة الشرق

عن الروائح والذكريات .. للكاتبة .. الهام ملهبي

“هذه ليلتي” ، التي ترتبط في ذاكرتي برائحة بعيدة ذات صيف في بداية التسعينات . جدتي في الغرفة تعيش أيامها الأخيرة و السرطان ينخر جسدها ، رائحة المرض تملأ البيت ، امي -الدموع متحجرة بداخلها – ترش الكولونيا في كل مكان لطرد الرائحة من البيت ، و والدي الذي قاده هواه في تلك الأيام العصيبة نحو أغنية هذه ليلتي . يسمعها و يعيد سماعها دون ملل ، يحتل صوت أم كلثوم أرجاء البيت ، يعبق المكان برائحة الكولونيا ، يحاول المرض أن يدافع عن وجوده ينشر رائحته أكثر و أكثر و يحتل المكان ، الحرب قائمة على أشدها ، امي ترش الكولونيا في محاولة يائسة لطرد شبح المرض ، والدي يرفع صوت المسجل أكثر و اكثر ، جدتي تحتضر و تتضاعف عندها نوبات النزيف و الألم . رائحة المرض هي الأقوى في هذه المعركة غير المتوازنة ، بعد أيام قليلة تنتصر الرائحة و تتمكن من ان تجلب معها الموت ذات صباح . يتوقف صوت أم كلثوم و تبقى رائحة تلك الكولونيا متوأمة في الذاكرة مع رائحة المرض ، و تلك الأغنية الخالدة تبقى ساكنة بداخلي كمرادف لهذه الحرب الصامتة ، حرب الحياة و الموت .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


طباعة المقال طباعة المقال