منارة الشرق

خلق الله / بقلم : د. هاشم غريبه – العراق

د/ هاشم غرايبه
د/ هاشم غرايبه

أكثر ما يثير سخرية العوام جهل العلماء، فعندما يتبجح بعض المتعالين في علمهم بأنهم لا يقبلون تفسيرا غيبيا لأنهم ينتهجون المنهج العلمي في تفكيرهم، تحترم وجهة نظرهم، لكنهم يسقطون حينما تراهم يتقبلون تفسيرا أكثر غيبية، وهو المبني على فرضية (أمنا الطبيعة mother nature:) التي تعني أنه ليس من خالق بل كل شيء وُجِد صدفة، ثم طور ذلك الشيء نفسه بنفسه.
سيسقط ذلك العالِم في فخ الجهل عندما تسأله كيف تقبلت هذه الفكرة من غير وجود دليل واحد على صحة الفرضية، فيما أقل ما يطلبه منك ليتقبل التفسير الديني للوجود أن يرى الله جهرة.
لذلك يمكننا أن نسمي هذه الحالة بمسمى:”الجاهلية العلمية”.
يستعمل أولئك المصابون بعاهة الجاهلية العلمية أسلوب “غوبلز” لتعميم فرضيتهم البائسة، ويتمثل بتكرار المعلومة المزيفة بطريقة خلط الحق بالباطل، وبأوجه مختلفة حتى يصدقها الناس، منها إعداد برامج ثقافية ووثائقية مشوقة بما تحتويه من معلومات قيمة، وأكثر ما يبهرك فيها التقنيات المتقدمة في فن الرسم والتصوير والمزج وكافة مستلزمات الإخراج الراقي، فتتساءل عمن يسدد هذه الكلف العالية؟..وهل حقيقة أن القضية تجارية محضة ومربحة؟.. أم هناك من يُموّل ويرعى ؟!!.
أحد هذه البرامج كان يتحدث عن الطيران وجهود الإنسان لمحاكاة الطيور، فكانت المعلومة المدهشة أن كل ما حققه الإنسان في هذا الشأن بما فيه غزو الفضاء، لا يصل في كماله الى عشر معشار ما حققه الطير، وبحسب فكرتهم فإن الطيور وحتى الحشرات طورت قدراتها (بذاتها) حتى حققت أعلى درجة من الكمال، بحيث أن أكثر أفكار البشر جموحا وأبعدها خيالا، لا يمكن أن تقترح نشموذجا أكثر ابداعا مما حققه العصفور!.
طبعا نقطة الضعف القاتلة في فكرة تطوير العصفور نفسه وتحويره لجسده، تبدأ من السؤال :متى تم ذلك؟ فإن كان ذلك قام به العصفور (الأولّ) فكم قرنا بلغ عمره لكي ينجز ذلك؟ وإن كانت جماعة فكيف نسقت فيما بينها وتبادلت الرأي حتى اتفقت على ما يلزمها، وإن كانت عبر أجيال فكيف كانت تتناقل المعرفة والخبرات وهي لا تملك معاهد بحثية ..بل لا تعرف الكتابة والقراءة!!؟، علما بأن المهارات تكتسب بالتدريب ولا تنتقل جينيا.
يتجاهل البرنامج كل ذلك ويمضي معددا تلك الإبداعات وهي أن طيران تلك الطيور والحشرات كان بتحريك الأجنحة، الأمر الذي فشل البشر في محاكاته فاعتمد على الأجنحة الثابتة، وأن الجسم المغزلي للطائر يعد قمة الكمال في تخفيض مقاومة الهواء الى الحد الأدنى، ويتم تقليل الطاقة اللازمة لتحريك الجناحين المتواصل المرهق عن طريق جعل تخفيف الوزن بتخفيض كثافة جسم الطائر الى سبعة أعشار كثافة الماء بكسائه بالريش وتجويف عظامه، واستغنائه عن الأسنان بالمنقار لاختصار وزنها، كما تم الإستغناء عن الرحم باستبدال الحمل الذي يزيد في وزن الطائر فترة طويلة، فصار التكاثر بالبيض، كما جعل فتحة الإخراج والبول والبيض واحدة للإختصار.
أكثر ما أدهش الباحثين هي القدرة العالية على المناورة، والإنحراف بزاوية حادة خلال الطيران بسرعة عالية، لدرجة أنه لا يمكن أن يصطدم طائر بآخر ولا حتى بغصن شجرة، إذ وجدوا أن حركة عضلات الجناحين والذيل لا تخضع لدماغه بل تتم تلقائيا بتدبير من شيء مجهول!
هذا لا يفسره إلا قوله تعالى” مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ”،وتعنيالفطرةالتيفطراللهكلمخلوقعليها،وهيجملةالأوامرالمدمجةالتيأودعهافيكلمخلوقلأداءمهمته،إذمنحها لكل مخلوقاته بعد أن خلقها:”أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى”، فلا تحتاج تدريبا ولا مهارات ولا معتمدة على ذكائه أو جهله.
الجاهلية الأولى تمثلت فيمن أغلقوا عقولهم عن الهدى، لكن الجاهلية العلمية لا تقل عنها ظلامية، عندما تعمى الأبصار عن نور كتاب الله.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


طباعة المقال طباعة المقال