منارة الشرق

الدولة الإسلامية بين المأمول والخيال 1/2 ، بقلم: د. هاشم غرايبه

د/ هاشم غرايبه
د/ هاشم غرايبه

ليس هنالك من شك أن إقامة دولة إسلامية توحد الأمة هو حلم كل المسلمين، حتى أولئك القلة الذين لا يرون في الإسلام غير تراث حضاري ماضوي، لا يمكنهم إنكار أن توحد الأمة على دولة ولو كانت إسلامية هو لصالح لمِّ شملها والنهوض بها.
لكن بمقابل المشاعر المفعمة بالحماس، هنالك أسىً طاغٍ يملأ نفوس حتى أشد المتفائلين، كون هذا الحلم بعيد المنال، لسببين أولهما عدم وجود جماعة حولت الفكرة الى برنامج تسعى لتطبيقه، وثانيهما أن الذين يقفون بالمرصاد لتلك الفكرة العتيدة هم جبهة قوية متعددة الأركان، قوامها كل القوى العظمى في العالم والتي تتناقض مصالحها وتتنافر برامجها في كل شيء إلا في منع تحققها، فهي متوافقة متحدة متعاونة.
لكن، عندما قامت الدولة لأول مرة.. هل كانت المصاعب أمامها أقل من ذلك؟
لقد كانت الظروف ذاتها، فالممانعون الأشد ضراوة كانوا من ابناء الأمة ذاتها من طبقة الزعماء والأشراف، ومن الخارج كل المتضررين من مشروع نشر التحرر من حكم من يدّعون الألوهية من البشر، من الأباطرة والأكاسرة والنبلاء، ولما كان الطرفان في ذلك الزمن، هم أيضا يعتبرون أنفسهم السادة المستأثرين بالخيرات، والباقين من الناس عبيدا وأقنانا ما وجدوا إلا لخدمتهم، فترسيخ أسس المساواة والعدالة تهدد مصالحهم ، لذلك فلم يكن مع قيام تلك الدولة إلا الفقراء والمستضعفون في الأرض.
إذا فالحالتان متشابهتان من حيث قوة الممانعين وتمكنهم من ناحية، وضعف المؤيدين وتبعثرهم من الناحية الأخرى، فكيف السبيل والحالة بهذه الصعوبة الى إيصال الحلم الى واقع؟.
بما أن العاقل هو يتعظ بالتجارب السابقة، الناجحة منها والفاشلة، والحكيم هو من يتمكن من تسخير الواقع وإمكانياته لتحقيق أهدافه، فسأبدأ بعرض أهم تلك التجارب لاستخلاص الدروس.
1 – تجربة الدعوة الإسلامية الأولى لا يمكن تكرارها، لأن نجاحها الأساسي كان مبنيا على الحماية الإلهية، فمن أنزل الرسالة الخاتمة لا يمكن أن يسمح بهزيمتها، لأنها ستبقى هادية للبشرية حتى آخر الزمان.
2 – نجحت تجربة الدولة الراشدية لأن رجالها من تلاميذ مدرسة النبوة، لكن بعد ثلاثين عاما بدأ الخلل لأسباب إدارية، فقد توسعت الدولة كثيرا عن قدرات عثمان، فاعتقد في أقربائه النصح والرشاد وركن الى عماله ومستشاريه، وتبين بعد فوات الأوان أنه لا الورع والتقوى، ولا المهارات التجارية يمكن أن تغني عن المهارات السياسية، فاستغل أعداء الدولة الفرصة واغتالوه، وبعدها بدأت الفتن والقلاقل.
3 – الدولتان الأموية والعباسية انقلبتا على النظام السياسي الإسلامي باعتمادهما النظام الملكي الوراثي، وتبين عند سقوط كل واحدة أن ذلك أهم الأسباب، إذ كان يوكل الأمر الى وريث الحكم ولو كان غير أهل له.
لذلك استمر التفتت والضعف بنيوياً رغم قوة الدولة إستراتيجيا، فانهزمت أمام قوى خارجية غازية، واستمر المنهج الإمبراطوري من خلال الدولة العثمانية، ولبقاء الأسباب ذاتها انهزمت أمام الأمم الأوروبية الناهضة.
4- التجارب الإصلاحية التي تمت بعد ذلك مثل مدرسة محمد عبده والطهطاوي، فشلت لأنها بنيت على محاكاة نهضة الغرب، ولم يدركوا أنها ازدهار مادي بفضل الثورة الصناعية وليست نهضة فكرية، كما فشلت محاولة النهضة الفكرية لمحمد رشيد رضا وسيد قطب لأنها استندت الى أسس سلفية من غير مراعاة لمتغيرات الزمن.
5- أما التجارب القومية والماركسية والتي جاءت بعد ذلك فقد فشلت بسبب استهدافها الإسلام واعتقادها بإمكانية النهضة على أنقاضه.
هذه لمحات خاطفة لأبرز تجارب نهضتنا، وسأكمل غدا بإذن الله.

About أمين الملحاني 445 Articles
محرر : أمين الملحاني . مواليد : اليمن , المحويت 1988م  . هاتف:00966554241989 . ايميل : eng.aaha13@gmail.com  .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


طباعة المقال طباعة المقال