صحيفة منارة الشرق للثقافة و الإعلام

صور الامانه والتحذير من ضياعها

قال تعالى (إِنّا عَرَضْنا الْأَمانَةَ عَلى السماوات والْأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإنسان إِنَّهُ كانَ ظَلوماً جَهولاً ) .الاحزاب 72
ولقد ذكر المفسرون أقوالاً كثيرة بالمراد بمعنى الامانه، فقيل :
أن الأمانة هي المحافظة على
الصلوات ، وأداة الزكاة ، والصوم ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً .
وقيل : إنها أمانات الناس ، أي ودائعهم التي يودعونها عند غيرهم .
وقيل : إنها الأمانة في الحديث وعدم الزيادة عليه .
وقيل : إنها صيانة المرأة لعرضها .
وقيل : إنها الاغتسال من الجنابة .
وقيل : أنها صيانة الإنسان لدم غيره وعدم الاعتداء عليه .
وهذه الأقوال كلها وأمثالها لا تخرج عن كونها امثله
ليطمئن إليه القلب
و المراد بالأمانة : الطاعة ، والتكاليف ، والفرائض التي افترضها الله على عباده ،
وهي كل أمور الدين بما فيه من واجبات وحدود ،
ولذلك استحسن الإمام الطبري أن المراد بالأمانة في هذا الموضع : هو جميع الأمانات في الدين ، وكذلك جميع الأمانات التي تكون بين الناس ؛ لأن الآية الكريمة لم تخصص نوعاً من أنواع الأمانة ، فكان التعميم أولى وأحسن .
يقول ا لله تعالى في سورة النساء : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها (3)

وقدوتنا ومعلمنا الاول للامانه سينا محمد صل الله عليه وسلم
حينما فتح مكة دعا عثمان بن طلحة ، وكان بيده مفاتيح الكعبة ، فلما جاء عثمان قال له النبي : أرني المفتاح يعني مفتاح الكعبة .
فلما مد عثمان يده بالمفتاح ، قال العباس بن عبد المطلب : يا رسول الله ، بأبي أنت و أمي اجمعه لي مع السقاية ، فقبض عثمان يده بالمفتاح خوفاً أن ينـتزع منه .
فقال النبي : هات المفتاح يا عثمان ، فأعطاه قائلاً : هاك أمانة الله .
فقام النبي وفتح الكعبة وطهرها ، وطاف بالبيت ثم عاد فرد المفتاح إلى عثمان ، وتلا قول ربه تبارك وتعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها ) النساء 58
ووصف صل الله عليه وسلم التاجر الامين: إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يطروا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا) الترغيب والترهيب ج: 2 ص: 366 .
وكثيرا من الناس يظن ان الأمانة مقصورة على الوديعة التي تودع عند الناس ، كالنقود والحلي وما شابه ذلك ، مع أن مدلول الأمانة في المفاهيم الإسلامية يشمل ألواناً كثيرة ،
فأمانة العبد مع ربه تتحقق بحفظ ما أمر الله بحفظه ، وبأداء واجباته والابتعاد عن منهياته .
وأمانة العلم تتحقق بنشره وتفهيمه للناس .
وأمانة الإنسان مع الناس تتحقق برد ودائعهم إليهم ، وحفظ حقوقهم وصيانة أعراضهم وحفظ أسرارهم والبعد عن غشهم والاعتداء عليهم .
كما ان أمانة الحكام مع الشعب تتحقق بالعدل بينهم ، والحرص على مصالحهم والسهر من أجلهم .
وأمانة الإنسان مع نفسه تتحقق باختياره الأصلح له في الدين والدنيا .
وأمانة الحياة الزوجية تتحقق بكتمان أسرارها ، وعدم الحديث عن دخائلها ،
قال صل الله عليه وسلم : إن شر الناس منـزلة عند الله يوم القيامة ، الرجل يفضي إلى امرأته ، وتفضي إليه ثم ينشر سرها) . صحيح مسلم ج: 2 ص: 1060

الأمانة في الكيل والميزان :
والأمانة في الكيل والميزان تتحقق بالضبط والعدل والابتعاد عن الإنقاص أو الزيادة ، قال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفينَ . الَّذينَ إِذا اكْتالوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفونَ . وَإِذا كالوهُمْ أو وَزَنوهُمْ يُخْسِرونَ . أَلا يَظُنُّ أولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعوثونَ . لِيَوْمٍ عَظيمٍ . يَوْمَ يَقومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمينَ ) المطففين 1-6

أمانة الحديث :
وأمانة حديث السر تتحقق بكتمانه وعدم ذكره لغير صاحبه ،
قال صل الله عليه وسلم: ( إذا حدث رجل رجلاً بحديث ثم التفت فهي أمانة ) سنن الترمذي ج: 4 ص: 341
وقال : (إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك ) العلل المتناهية ج: 2 ص: 592 برقم 973

لقد حدث في أثناء غزوة الأحزاب أن غدر يهود بني قريضة بالرسول صلى الله تعالى عليه و سلم والمسلمين ونقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله تعالى عليه و سلم وانضموا إلى المشركين في وقت شديد عصيب وشاءت عناية الله قهر حملة الأحزاب ، وتوجه الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم بعدها إلى تأديب الغدرة الفجرة من بني قريضة . وتمكن منهم بعد حصار طال وامتد ، وطلب هؤلاء من الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم أن يبعث لهم بالصحابي أبي لبابة ، وكان حليفاً لهم في الجاهلية ، وكان له بينهم مال وعقار ، فحسبوا أنه سيكون سبب تخفيف عنهم ، ولما وصلهم أبو لبابة أخذوا يسألونه : أيسلمون وينـزلون على حكم النبي صلى الله تعالى عليه و سلم ؟ .
فقال لهم : نعم .
ثم بدرت منه بادرة غير مقصودة ، فأشار بيده إلى حلقه إشارة يفهم منها أن مصيرهم هو القتل ، ولعله كان قد عرف ذلك من الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم أو استنتجه ، وهو قصاص عادل من غير شك . وما كاد أبو لبابه يأتي بهذه الإشارة حتى تنبه إلى نفسه في خوف
وجزع ، وأحس وكأنه خان أمانة الله ورسوله ، في هذه الإشارة ؛ لأنه كشف شيئاً كان يجب عليه – ولو في اعتقاده – أن يخفيه فعصره الألم والحزن وقال : ( فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى خنت الله ورسوله ) .
وظهر الندم على وجهه ، فقال له بعض اليهود : مالك يا أبا لبابة ؟
فأجاب : لقد خنت الله ورسوله .
وعاد مسرعاً إلى المدينة ، والدمع يسيل من عينيه ، وما زال مسرعاً في مشيته حتى دخل المسجد ، وربط نفسه في أحد أعمدته في سلسلة ثقيلة . وقال : والله لا أذوق طعاماً أو شراباً حتى أموت أو يتوب الله علي مما صنعت . وأخذ على نفسه العهد الوثيق ألا يدخل أرض بني قريظة ما دام حياً ، مع أنه كان له فيها مال وعقار .
وبلغت القصة مسمع رسول الله فقال : أما لو جاءني لاستغفرت له وأما إذا فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه (شرح الزرقاني ج: 3 ص: 90 -) .
وجاء الوحي من عند الله مؤدباً ومعلماً ، فقال : يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَخونوا اللَّهَ والرَّسولَ وَتَخونوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمونَ . الأنفال : 27
وظل أبو لبابة مربوطاً في المسجد عشرين يوماً لا تفك قيوده إلا لأداء الصلاة ثم يعود إلى القيد من جديد حتى نـزلت مغفرة الله تعالى له على رسوله صلى الله تعالى عليه و سلم ، وأقبل جبريل يخبر الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم بأن الله عز و جل قد تاب على أبي لبابه بعد هذا الندم ، وبعد هذا التطهير ، وجاء قوله عز من قائل : وآخَرونَ اعْتَرَفوا بِذُنوبِهِمْ خَلَطوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً عَسى اللَّهُ أَنْ يَتوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفورٌ رَحيمٌ (التوبة 102.
وانتهت البشرى إلى مسامع أبي لبابة ، فطار لها فرحاً وسعد بها كثيراً ، ولكنه ظل في قيده فأبى ذلك ، وقال : والله لا يفكني من قيدي إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ، وكأنه يريد بذلك أن يوثق توبته ، وأن يكون فك الرسول لقيده تأكيداً لغفران الله له وعفوه عنه ومحيت الهفوة من سجل أبي لبابه ، بفضل الله ورحمته ، وواصل حياته مجاهداً مستقيماً على الطريق ، وفياً بعهده ، لا يخون ولا يهون »(د . أحمد الشرباصي – موسوعة أخلاق القرآن – ج 2ص 15 – 32 ( بتصرف ) .
ولعلماء الاجتماع حكمة مأثورة تقول: “أمّة لا أمانة فيها، لا حضارة فيها” ، وهكذا أثبتت التجارب البشريّة على مرّ العصور، لتؤكّد أن وجود هذا الخلق ضرورة من ضرورات الحياة لا تقوم بدونه أو تستقيم

تحذير

حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، و
سوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويخوّن الأمين) رواه أحمد والترمذي،
ففي الحديث النبوي السابق دلالةٌ على ضياع الأمانة آخر الزمان، وليس الأمر مقصوراً على التفريط فيها، بل الأدهى والأمرّ انقلاب الموازين عند الناس حتى يغدو من اشتُهر بالخيانة ويُعرف بها: صادقاً أميناً،
ويُنظر إلى الأمين حقّاً مّمن عُرف بالنزاهة بأنه خائنٌ لها ومضيّع لما استؤمن عليه.

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا: (أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة). وحدثنا عن رفعها فقال: (ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْتِ، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المَجْلِ، كجمرٍ دحرجته على رجلك فنَفَط، فتراه مُنْتَبِراً وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) متفق عليه.
أما قوله –صلى الله عليه وسلم-: (نزلت في جذر قلوب الرجال) الجذر: الأصل من كل شيء، فيكون المعنى أن الأمانة قد نزلت في أصل قلوبهم، وقوله عليه الصلاة والسلام: (ينام الرجل نومة فتُقبض الأمانة من قلبه) فالنوم المذكور هنا إما على حقيقته، بحيث تُرفع الأمانة من قلبه مرّة واحدة، وإما هو تعبيرٌ عن زوال التخلّق بهذا الخلق شيئاً فشيئاً، وقوله عليه الصلاة والسلام: (مثل أثر الوَكْتِ) فالوكت هو أثر الشيء اليسير في الجلد، بحيث يكون لون هذا الأثر مخالفٌ لما حوله، وقوله عليه الصلاة والسلام: (مثل المَجْلِ) هو ما يتركه العمل من آثارٍ على اليد من خشونةٍ ونتوءات، وقوله عليه الصلاة والسلام: (كجمرٍ دحرجته على رجلك فنَفَط) هو بيانٌ للانتفاخ الحاصل في الجلد حين تصيبه جمرة، وقوله عليه الصلاة والسلام: (فتراه مُنْتَبِراً) بمعنى أنه تورّم وامتلأ ماء وصديداً.

بعد ذلك يمكننا أن نفهم المقصود من الحديثين اللذين أوردهما حذيفة رضي الله عنه، أما الأوّل فيتحدّث عن وجود الأمانة بدايةً في قلوب الرجال، فكانت هي الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة، والأمانة –كما يقول الإمام النووي- الظاهر أن المراد بها التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده، والعهد الذي أخذه عليهم في الأصل، والمذكور في قوله تعالى: { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} (الأحزاب:72)، فإذا استحكمت الأمانة في قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف الواردة في القرآن وفي السنّة، والمؤيّدتان للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فازداد إيمانه وأدّى الأمانة على أحسن وجه.

ثم يأتي الحديث الثاني ليبيّن كيف تُنزع الأمانة من قلوب الرّجال آخر الزمان، وكيف يؤول الأمر بالرّجل الأمين حتى يصير خائناً بعد أن كان أميناً؛ نتيجةً لارتكابه السيئات الموبقة لحسناته والمنقصة من مستوى إيمانه، وثمرةً من ثمار معاشرة الخائنين وملازمتهم

ولا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد

About رضوان عبدالله 3396 Articles
مواليد لبنان ، صورعام 1962 • مستوى التعليم جامعي ـ اجازة بالاداب واللغة الانكليزية من الجامعة اللبنانية 1993 . • برمجة كومبيوتر عام 1985 • حائز على دبلوم تجارة و محاسبة عام 1986 • حائز على دبلوم على المناهج الحديثة ( اللغة الانكليزية ) من وزارة التربية و التعليم اللبنانية عام 2000 • حائز على دبلوم بالثقافة البدنية / أكاديمية الثقافة البدنية ـ براغ عام 2001 • حائز على دبلوم تدريب مدربين من الجامعة اليسوعية عام 2005 • حائز على دبلوم دراسات عليا بالقيادة الادارية – جامعة القاهرة 2015

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*