منارة الشرق

الشاعر السعودي ‏محمد الخضري : “مارست الكتابة منذ صغري، ولأجل الكتابة ضحيت بأشياء كثيرة في حياتي ولم أندم عليها”

محمد الخضري: قرأت قصائد نزار… فأصبحت شاعراً

محمد الخضري

منارة الشرق للثقافة والإعلام

القاهرة – أحمد نصار

أكد الشاعر السعودي محمد الخضري، أن دول الخليج تعيش طفرة كبيرة في مجال النشر والانتاج الابداعي، وهذا دليل على عكس ما يتصوره الآخرون عن المواطن الخليجي كونه انسانا مرفها يهتم بالاستهلاك ويتفاخر بالثروة وأنه غير فاعل في الحياة، كما أكد أنه رغم تسيد الرواية للمشهد الثقافي العربي حاليا الا أن الشعر يبقى أيقونة الحاضر ونبؤة المستقبل « كون الشعر وجدان الأمة، بينما انتقد الصورة التي تقدم للشاعر في الأعمال الفنية كونه باحثا عن المال، مطالبا بضرورة تغير الصورة.

بدأ الشعر يداعبك منذ أن كنت صغيرا وكان والدك شاعراً وأديبا، لماذا تأخرت في ظهور موهبتك من خلال أول ديوان في 2014؟
/ مارست الكتابة منذ صغري، ولأجل الكتابة ضحيت بأشياء كثيرة في حياتي ولم أندم عليها بغض النظر عن منظور الربح والخسارة، ولأجل الكتابة تركت وظيفتي الحكومية وتفرغت للعمل الصحافي في الوقت الذي كان يطمح الكثير من الشباب للحصول عليه وظيفة حكومية، وخلال عملي الصحافي لم أكن أنشر كتاباتي الخاصة وانما كنت ملتزماً بما أنا مكلف به في عملي الصحافي وهو التحرير السياسي والاقتصادي وهذا أتاح لي زيارة عدد من دول العالم ولقاء شخصيات سياسية على مستوى العالم وساعدني على ذلك اجادتي للغة الإنكليزية، كنت أحتفظ بكتاباتي كشيء من خصوصيتي ولم أكن أرغب أن يطلع عليها أحد حتى دخلت عالم التواصل التواصل الاجتماعي عبر الفيسبوك كنت أنشر القليل جداً لأتلمس رأي الناس وفي تلك الأثناء لم يكن المضافين في صفحتى قلة، ولكنهم كانوا بالنسبة كأُمة بدعمهم وتشجيعهم فأخذت أحرص على الكتابة بشكل متواصل بفضل هذا الدعم المعنوي ولازلت احتفظ بصداقة البعض منهم إلى الآن ولكني ما فكرت يوماً أن أصدر كتاب أو ديوان شعر حتى ظهرت في أفق هذا الفضاء انسانة رائعة أدين لها بالفضل الكبير بعد الله في ظهور ديواني الأول «يشبهك البحر» وحتى كتبت الاهداء لها، تلك الانسانة كانت من أشد الداعمين والمحفزين للاستمرار في الكتابة أكثر الناس الحاحاً في اصدار ذلك الديوان العتيد.

84CDF5C2-8180-45BB-AC89-516B8E15F19A

•يشبهك البحر، ما الرسالة التي وددت أن تقولها من خلال هذا الديوان؟
/ معظم النصوص تتحدث عن الحالة التي كانت تربطني بذلك الانسان الرائع الذي وقف معي وبجواري في كل كلمة كتبتها في تلك الفترة على الفيس، وأذكر حين صدر الديوان في معرض الرياض الدولي للكتاب عام 2014 تساءل الكثير عن، لماذا يُشبهِكِ البحر، بينما السائد والمعروف أن يتشبه الصغير بالكبير وكنت أجيب ببساطة أن ذلك الانسان في عطائه ودعمه وتشجيعه أكبر من البحر وأكثر عطاءاً من البحر، بقدر ما يمنحنا البحر اللؤلؤ والمحار ويمنحنا الزرقة التي كأنها مرآة تعكس لون السماء وبرغم الخير العميم الذي يهبنا البحر، أيضاً البحر غادر وقاتل.فكنت أقصد ان الحالات الانسانية تشبه البحر في تقلباته.

39EF9FA2-8466-4800-984E-FBB3B59F66A0

• تحدثت في ديوانك «الموت سهوا» عن الجمال والحياة فما علاقة الموت بهما؟
/ أثار عنوان الديوان «الموت سهواً» تساؤل الكثيرين، كيف يأتي الموت شهواً وكيف يكون الموت سهواً،؟ وللايضاح، لم أكن أعني الموت كحقيقة حتمية في حياتنا وانما الموت سهواً حالة اسقاط للحياة وتقلباتها، فمثلاً حين يفاجئنا الحب، لا نجد جواباً لكل اسئلة الدهشة التي تصيبنا، ففي حالة الحب لا نعرف نسأل كيف ولماذا،؟ أليس هذا كالموت سهواً، الموت سهواً يتحدث عن المرأة، عن معاناتها، وحدتها، حزنها، فرحها، مزاجيتها، تمردها، عنفوانها وضعفها وكتبت أيضاً للحبيبة، تلك الحالمة التي قلت لها في اهداء الديوان : إلى تلك الحالمة، أحبكِ كما وطني مُسيَجاً بخيوطٍ من الحرير، وأحبكِ كما بيتي مطرزاً بأغصان الجريد، أحبك، لا حدود لصبوتي، وأحبك وسماً ببال القوافي والقصيد.هكذا تجد التنوع في دواويني ويكن يظل المحور الرئيس في معظم ما أكتب، الانسان، الحب والحياة وحين أقول الحياة فأنا حتماً أعني المرأة.

مجاملة

•هل ترى أن النقاد العرب يجاملون الرواية على حساب الشعر؟
/ الرواية تتسيد المشهد الثقافي حالياً والكل يسعى لكتابة الرواية وبعض المكتبات وجهات التوزيع تتحمس لتوزيع الرواية أكثر من الشعر وهذا أمر أتاح للرواية بالانتشار اضافة الى انتشار الترجمات للروايات العالمية وأصبح معظم القراء يحرصون على اقتناء تلك الترجمات وهذا أيضاً أسهم في ازدهار الترجمة ولا أحب استخدام كلمة سوق الترجمة لكن الواقع ان هذه الترجمات تلقي رواجاً هائلا خصوصاً في مجال الرواية والقصة القصيرة هذا ما جعل توجه معظم التوجه إلى الرواية وتخصيص حيز كبير لها بالنقد والتحليل تماشياً مع الظاهرة.ولكن هذا لا ينفي ان هذه الطفرة في كتابة الرواية أبرزت على الساحة العربية كتاباً مبدعين بارزين سيكون لهم شأن كبير لو استمروا في الكتابة، لكن الخوف أن تكون الرواية ظاهرة ثقافية أو طفرة روائية، والزمن كفيل باثبات الأفضل.

• قلت ان هناك طفرة في النشر والانتاج الابداعي في الخليج، ما السبب في ذلك من وجهة نظرك؟
/ أنا سعيد جداً بهذه الطفرة على الأقل حتى نغير نظرة الآخرين للانسان الخليجي بأنه انسان مرفه يهتم بالاستهلاك ويتفاخر بالثروة وأنه غير فاعل في الحياة، وهذه الطفرة في مجال النشر والانتاج الابداعي دليل على عكس ما يتصوره الآخرون عن المواطن الخليجي بالسلبية المادية المعروفة عنه، ثم اعتقد أن انتشار المعرفة عن طريق تقنيات الاتصال والتواصل الحديثة أثرت في ذهنية المواطن الخليجي للاستفادة من هذه التقنيات بتعزيز ثقافته ووعيه وأيضاً هناك تأثير كبير جداً ومباشر من خلال معارض المكتاب التي تغطي كافة العواصم العربية فأصبح الكل يتسابق لاثبات وجوده للظهور وسط المجتمع الثقافي وما ظاهرة توقيع الاصدارات بهذه الكثافة خلال معرض الكتاب الا دليل على هذا الاهتمام، وأنا من الذين يؤمنون بمقولة «دع الزهور تتفتح، والزمن هو الغربال»فلا حجر على فكر أحد.

• كثير من الأعمال الفنية تناولت الشعر بشكل من السخرية، هل هذا ساهم في عزوف الشباب عن الشعر؟
/ للأسف معظم الأعمال الدرامية التاريخية أظهرت الشاعر في دور المتكسب بالشعر بمدح الولاة والسلاطين وحتى في عضرنا الحديث هناك هذا النوع من الشعر وقد قلت مرة في حديث سابق ان الشعر يتعرض لمؤامرة بجعله مخصصاً للمناسبات وتهميش روح الشعر عن الحياة وفي نظري هذا النظم لا يضيف للشعر ولا يقدم الشعر بصورته الابداعية والجمالية وهنا أتذكر كيف كان يظهر المأذون في الأفلام العربية بصورة الرجل الهزء، ولكن ذلك لا يعكس حقيقة الشعر.

نزار قباني
•هل تأثرت بشعر نزار قباني؟
/ قرأت الكثير من الشعر في من العصر لجاهلي حتى العصر الحديث وكان نزار أحد ابرز الشعراء منذ منتصف اربعينيات القرن الماضي، وارتباطي بشعر نزار أساسه عشقي للكلمة وللمفردة الجميلة، فكنت حين أقرأ أو أسمع شعر نزار أصاب بحالة من الدهشة والذهول وأتساءل في نفسي كيف استطاع هذا الشاعر الفذ اختيار تلك الكلمات البسيطة التي نحكيها في حياتنا اليومية ويجعل منها لآليء تضيء سماء الشعر العربي الحديث، وربما حين استمعت لقصيدة «أيظن» بصوت الرائعة التي أعشق نجاة الصغيرة شعرت ان هذا الكلام لا يقوله شاعر مثل باقي الشعراء، ومن هنا أخذت ابحث عن نزار شعراً ونثراً فهو مجود في نثره كما شعره.وأذكر انني أثناء الدراسة في المرحلة الاعدادية كان لي زميل وأخ وصديق بنفس الفصل الدراسي لديهم في مكتبة أخيه الأكبر المجموعة الشعرية الكاملة آنذاك منها، طفولة نهد، قالت لي السمراء، الرسم بالكلمات، وغيرها من الدواوين، فطلبت منه أن أقرأ المجموعة وأعيدها له خلال أيام.
وفي تلك الايام لم تكن دواوين نزار متوفرة في مكتباتنا فآثرت أن أنسخ جميع الدواوين بخط يدي في مجموعة دفاتي «كراريس» مدرسية وحتى اذا ما أعدت المجموعة غلي زميلي أكون احتفظت أنا بالقصائد والشعر وهكذا كان، علماً ان كتابة الدواوين استغرق كل وقتي حتى على حساب مذاكرة دروسي وحل الواجبات المدرسية، وأذكر انني في المرحلة الثانوية كنت أقرأ على زملائي بالفصل بعضاً من قصائد نزار وأذكر منها قارئة الفنجان، ورسالة من تحت قبل أن يغنيها عبد الحليم.

•بعيداً عن التأثر الذي انتابك في المنتدى الثقافي في منزل الوالد من من الشعراء الذين تأثرت بهم؟
/ والدي رحمه الله كان بمثابة الروح والحياة التي أعيشها والهواء الذي أتنفسه، كنت أرى فيه صلاح الأتقياء وأخلاق الانبياء، كنت معجباً به بشكل لا أتخيل أن فتي يحمل ذلك الاعجاب بأبيه، وكان مجلسه يمتد من بعد صلاة العصر إلى وقت صلاة العشاء وكنت مداوم الحضور لجلساته حتى في الايام الأخيرة من نهاية العام الدراسي كنت أترك مذاكرتي وأجلس لاستمتع ببعض الأدب والشعر أو الأحاديث الدينية واللغوية وكان رحمه الله يلمس تلك الروح في شخصيتي فلم يكن ينهرني أو يعنفني لكي أعود لدراستي ولكنه كان بكل أدب ودون أن يشعر الآخرون يبلغني رسالته بنظرة من عينيه أو بكلمة أفهم مغزاها فأنسحب لاكمال مذاكرتي، أما بمن تأثر من الشعراء فلا أستطيع الاجابة تحديداُ هناك شعراء كبار مثل طرفة بن العبد وعروة بن الورد من الجاهلية وغيرهما كذلك يعجبني زهير بن ابي سلمي وابنه كعب والمعري ذلك الفيلسوف الذي سبق الزمان بزمان في فكره وعبقريته وأبي تمام والمتنبي، في العصر الحديث أعشق أمير الشعراء وأكثر ما أحب له اسلامياته ذات النكهة الصوفية ومن المحدثين باستثناء نزار كما قلت لك هناك الشاعر السوداني الرائع محمد الفيتوري الذي عرفته لأول مرة من خلال ديوانه الرائع «معزوفة درويش متجول» وبرغم اني لا أكتب للمناسبات الا اني كتبت نص « مرثية لدرويش متجول» عند وفاته وبالتأكيد يعجبني أمل دنقل ومحمود درويش وسميح القاسم والجواهري عبدالوهاب البياتي من العراق وغيرهم.

7C07C983-0810-44C2-BAEF-7D38C8D8CB00

• كل الأماني مؤجلة والأحلام مؤجلة كل شيء مؤجل هذه كلمات جاءت في ديوانك « هذه الأنثى» لماذا غلب على الديوان لغة الحزن والشجن؟
ديوان (هذه الأنثى )يطرح جدلية العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة منذ عهد ابونا آدم الى أن يرث الله الأرض ومن عليها فأنا حين أقول في نص (هذه الأنثى ):
هذه الأنثى،
يسكن قلبها الخوف والسراب
يعاتبها النهار،
يهجرها الليل
تنتظرُ لحظات الاياب
تغشاها نوبات الفرار
يعود اليها رجل مكبلاً بالماء
في يده تفاحة،
ووردة كأنها الحياة.
تلك هي قصة آدم وحواء وفي هذا الديوان تجد المرأة مستلقية ومرات متكئة ومرات جالسة فوق الفواصل والحروف.

* منشور سابقا في صحيفة الكويتية .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*