منارة الشرق

علي السباعي : لم أشتر كتاباً واحداً من أديب باع مكتبته لظرف اقتصادي قاهر قط ؛ليست شهامة

قهرنا الحصار بنسخ الكتب بأيدينا

علي السباعي
علي السباعي

منارة الشرق للثقافة والإعلام -القاهرة :
” أحمد سراج “

لا تغادرني صورة العلماء والكتاب وهم يبيعون كتبهم بأبخس الأثمان في شارع المتنبي، وبدا لي أن آخر ما سيبحث عنه العراقي المقيم هو الكتاب، وعزز ذلك ما سمعته من المسرحي المعروف محمود أبو العباس حين قال لي: لقد تم حرق تراثنا المسرحي وأرشيفنا كاملًا.. من هنا يستمد حوارنا مع القاص العراقي علي السباعي المقيم في العراق أهميته. السباعي قهر الحصار بحصوله على عدة جوائز منها جائزة (ناجي نعمان) كما نوقشت أعماله في رسالة ماجستير عنونت ب(علي السباعي قاصّاً) في جامعة «مؤتة» الأردنية عام 2015، وترجمت بعض قصصه إلى الإنجليزية والهولندية

س 1 / كيف تحصل على كتبك رغم هذا الحصار ؟

ج 1 / الإنسان مكتشف ، هكذا خلقه الله ، خلقه مجدداً ، وبناءاً ، والمبدع الجاد الحقيقي خلاق باحث عن المعرفة ، ومبتكر يكسر كل حصارات الظلمة ليغزل ضوء حياته ، ضوءه ، بنور المعرفة الذي ينير الدرب للناس بنور روحه البازغة بالخير ليستنير الخلق بقبسها ليغير الناس حياتهم ، لتزدهي الحياة بالحب والسعادة والوئام .

صرت أكتشف طرقاً جديدةً لم تعبد بعد ، لم تطأها أقدام إنسان بعد ، أمهدها بهمتي في البحث والتقصي عن الحقيقة ، وأعبدها بزادي المعرفي ،لأن طريق المعرفة العين ، والمعرفة لا ترى ، المعرفة تقرأ بهذه الروحية أحصل على زادي وزوادتي من الكتب ، وأحد هذه الطرق لتعبيد درب حياتي بمراسلة أصدقائي من الأدباء والمثقفين المتنورين من داخل الوطن وخارجه ، وبهذا أحصل على المطبوعات الجديدة في أوان قطفها ، وطريقة أخرى طريقة الاستنساخ ، عندما يصل كتاب هام لأحد الأصدقاء وبنسخة يتيمة نعمل على نسخها ، وتداولها ، بهذا يكون المطبوع المستنسخ بطعم المنشور السري في سني الحصار ، الكتب يراها البعض كتباً ، وأنا أراها كنوزاً ، وبهذه الوسيلة ووسائل أخرى كثيرة بددنا ظلمات حواجز الحصارات المضروبة حولنا بنور شموس المعرفة .

س 2 / هل اشتريت كتباً تخلى أصحابها عنها نظراً للظروف الاقتصادية ؟

ج 2 / أعيش مثل باقي أقراني المبدعين المثقفين في ظل ظروف اقتصادية صعبة للغاية ، صعبة جداً ، والعيش في يباب فرض على أهل العراق الكرماء ، يجعل سقوط المطر متساوياً ، تهطل زخات الفقر على رؤوسنا نحن ابناؤه الأدباء ، رؤوسنا العراقية الشامخة بعيونها الرائية ناحية شمس الأمل صوب الأفق البعيد حيث نار المستقبل . لم أشتر كتاباً واحداً من أديب باع مكتبته لظرف اقتصادي قاهر قط . ليست شهامة ، وأنا رجل شهم ، ليس كرماً ، وأنا رجل كريم والكرم شجاعة ،وعلي السباعي ينتمى لسلالة حاتم الطائي ، وحفيد حاتم الطائي لا يفعلها أبداً ، ثم ليس لي قلباً يحتمل فعل ذلك – شراء كتاب من زميل معوز – أكره استغلال عوز الناس لأنني نخلة عراقية حلوة الرطب أنتمي إلى أرض العراق المعطاء .

س 3 / متى بدأت تكوين مكتبتك ؟

ج 3 / مذ كنت صبياً . . كنت طموحاً . . . كنت لماحاً . . . كنت كبيراً بأصغري قلبي ولساني . . . منذها . . . كانت لي نقطة ضعف واحدة إلا وهي :- حب الكتب . الله سبحانه وتعالى وحده يعلم كم أحب الكتب ؟

أظن أن نقطة ضعفي جاءتني بعد ولادتي ، قامت أمي بإيداع حبلي السري في مكتبة والدي الغنية والكبيرة بكتبها حتى تبرأ من آلام المخاض لتستودعه في أحدى المدارس قبل أن أدخل يومي السابع ، لتميمة يجري الأخذ بها لحد الان في جنوب العراق ، لينشأ الطفل محباً للمدرسة والدراسة ، فنست والدتي حبلي السري بين متون الكتب الفخمة ، من هنا جاء إفراطي في محبتي للكتب حد الانغماس المطلق في بحر هواها الذي أسرني وأنا بعد صبي ، صرت أشتري الكتب وأقرؤها . أروي لك حادثة عشت تفاصيلها وعايشتني تلك الغصة حتى اللحظة ، وأنا أدوزن أجوبتي ، غصصت بعسف سني الحصار القاسي المفروض على وطني العراق يوم كنت أعمل عتالاً في أحد معامل إنتاج الثلج ، ذات تموز قائظ ، قبضت أجرة عملي ، وأنا أؤب إلى أهلي مررت بمكتبة تبيع الكتب في شارع الجمهوري خلف بناية السراي في مدينة الناصرية ، سحرتني الكتب رغم تعبي وجوعي الشديدين ، كان جوعي إلى المعرفة يفوق جوعي إلى الخبز ، انفرطت من شكيمتي واقتنيت ثلاثة كتب ، كان الأول للساحر الفذ فريدريك نيتشه ( هكذا تكلم زرادشت ) ، وجاء الثاني للداهية نيقولا مكيافيللي ( الأمير ) ، وحل أودلف هتلر ثالثاً في ( كفاحي ) ، حملتهن فرحاً بهن ، كنت مزهواً بهن ، وأزدهي بهن أثناء أوبتي إلى دارنا ، استقبلني أخوتي الصغار ، ومن بعدهم أمي الرءوم ببطون غرثى ، كانوا معتادين على استقبالي وأنا أجلب لهم ما يسدون به رمقهم بكسرة خبز تسد جوعهم الكافر ، لكن . ما كان في جعبتي إلا الكتب . صرخوا بيأس من فرط انتظارهم جزعاً :- كتب . اغتسلت ، وجئتهم حيث تحلقوا حول أمي ، ظننتهم ينتظرونني لنتناول طعام الغداء سويةً ، فكان أن نهضت أمي بعصبيتها الدافئة ، وغادرت مجلسنا ، ثوان عادت تحمل طبقاً تضع عليه الكتب الثلاثة ، وقالت ودموعها ملء مآقيها : – كل يا أبني البكر هذا ما جلبته من غداء لنا . صحة وعافية . وأطلقت عقيرتها باكية ملء روحها المخذولة مني ، وهي تلعن اليوم الذي نسيت فيه حبلي السري بين بطون الكتب !!

س 4 / ما الكتب التي تعود إلى قراءتها كل فترة ؟

ج 4 / القرآن الكريم – عاملاً بنصيحة والدي الذي هداني لسلامة لغتي ، وصفاء روحي الداخلية من أجل أن أكون أديباً إنسانياً صادقاً أن أقرأ كتاب الله القرآن الكريم دائماً – ورسالة الغفران للمعري ، وبدائع الزهور في وقائع الدهور للمؤرخ المصري محمد ابن إياس الحنفي القاهري ، ومقدمة ابن خلدون ، والخصائص لأبن جني ، وديوان المتنبي ، وديوان الجواهري ، وألف ليلة وليلة ، وعشرة أيام هزت العالم لجون ريد ، والحرب والسلام لليو تولستوي ، وأربعة قرون من تاريخ العراق الحديث للونكريك .

س5 / هناك مواسم لشراء الكتب مثل المعارض والمؤتمرات . . كيف تعود لقراءة الكم الكبير الذي تشتريه ؟

ج 5 / خلقني الله سبحانه وتعالى عاشقاً للقراءة حد التوله والوله بها ، صرت مغرماً بالقراءة ومغرمها ، وطاغور يقول : (( نعيش في هذا العالم حين نحبه )) ، وأنا عشت في عالم الكتب لأنني أحبه ، أضف إلى ذلك أنني ذو طبع جاد ومنظم ، صرت أرتب وقتي وأفصله حسب عدد كتبي التي تحت القراءة ، وأبرمج نفسي على اساس ذلك ضمن نظام عسكري صارم ومنضبط لأقرأ بمتعة ونهم . لكن . للأسف . كنت لا ارتوي . حد هذه اللحظة لم أرتوي رغم أنني نهلت المعرفة من أعذب وأنقى ينابيعها ، كنت ولا زلت شغوفاً بكل كتاب جديد يقع بين يدي أو أقرأ عنه أو أسمع به .

س 6 / كيف ترتب مكتبتك ؟

ج 6 / أرتب كتبي ضمن تصنيف علمي سليم ودقيق حيث يأخذ كل كتاب من كتبي مكانه الصحيح ، حسب جنسه ، وجنسه يخضع إلى تسلسل الحروف الأبجدية .

س 7 / البعض له أكثر من مكتبة . . كيف تقيم هذا ؟

ج 7 / مبهر ، ولافت ، ومغر ، وساحر مثله مثل الذي يتزوج من امرأتين عليه أن يعدل بينهما ، أو كمثل الذي يعيش بقلبين !!!

س 8 / هل تقرأ كتبك التي قمت بتأليفها ؟ ولماذا ؟

ج 8 / لا . والله . الكمال لله وحده ، المسيح عليه السلام يقول : – (( متلفت لا يصل )) . لا ألتفت ورائي حيث تركت الماضي خلفي أنا في صعود دائب وجاد ، صعود حقيقي وحثيث صوب قمة لن ولم أبلغها قط .

س 9 / هل جربت قراءة الكتب الإليكترونية ؟ وكيف ترى مستقبل الكتاب الإليكتروني ؟

ج 9 / ألجأ مرغماً إلى خيار القراءة الإليكترونية حينما لا يتوفر لدي خيار آخر ، وأجد أن حياتنا شئنا أم أبينا سائرة رغماً عن محبتنا صوب ضفة القراءة الإليكترونية ضمن إيقاع الحياة المعاصرة التي نعيش .

س 10 / حين تسافر . . كيف تمارس القراءة ؟

ج 10 / هذه الدنيا كتاب . . . سافروا كي تقرءوها .

أقرأ ساعات راحتي ، وقبل النوم بما اقتنيته من صحف وكتب أدباء وأعلام البلدان التي أزورها .

س 11 / لو كان عليك السفر إلى مكان منعزل والاكتفاء بخمسة كتب فماذا تختار ؟

ج 11 / القرآن الكريم ، وكتاب لمحات اجتماعية للعلامة الدكتور علي الوردي ، وكتاب طبيعة المجتمع البشري في ضوء الأنثروبولوجيا الاجتماعية للدكتور قيس نعمة النوري ، وكتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للمؤرخ الدكتور جواد علي ، وكتاب تاريخ الوزارات العراقية للعلامة الدكتور عبد الرزاق الحسني .

س 12 / من الكاتب الذي تحرص على أن تكون كتبه في مكتبتك ، ولماذا ؟

ج 12 / خورخي لويس بورخس ، لأنه ساحر كبير في فن كتابة القصة تعلمت منه كيف أكون كاتب قصة .

س 13 / كيف تتعامل مع كتب الإهداءات ؟

ج 13 / أقرؤوها لأكثر من مرة لأكتشفها بلهفة وبمتعة ، ثم أحفظها بقلبي قبل أن أضمها في مكانها المخصص لها وحسب تصنيفها في مكتبتي .

س 14 / ما الكتاب الذي تمنيت أن تكون كاتبه ؟

ج 14 / تربيت على أن لا أنظر إلى حاجة بيد أحد ، وأتمناها لنفسي ، لأن أهلي أحسنوا تربيتي ، ومرة قرأت قبساً من نور لفريدريك نيتشه : (( كن رجلاً ولا تتبعني ، ولا تتبع احداً غير أنت ، أنت نفسك )) .

س 15 / هل القراءة في خطر ؟ وكيف ننميها لدى أجيالنا ؟

ج 15 / نعم . القراءة في خطر داهم . أن ننمي فيهم منذ الصغر حب الاكتشاف ، والاكتشاف يقود إلى المعرفة ، والمعرفة تعني القراءة .

About أيمن دانيال 240 Articles
كاتب وشاعر سوريا / حلب محرر في صحيفة منارة الشرق للثقافة والإعلام .. ناشر في جريدة بلدنا 2007 ناشر في مجلة أدباء الشام 2008 ناشر في جريدة الجماهير 2010 ناشر في مجلة أحوال البلاد الإلكترونية 2017 ناشر في صحيفة منارة الشرق للثقافة والاعلام 2018 ناشر في جريدة الرؤية العمانية 2018 ناشر في جريدة العربي اليوم المصرية 2018 ناشر في مجلة كلمات ليست كالكمات 2018 ناشر في مجلة آفاق حُرّة الأردنية 2018 ناشر في مجلة المنار الثقافية الدولية 2018 ناشر في صحيفة فسانيا الليبية 2018 عضو سابق في ملتقى الأدباء والمبدعين العرب . حائز على شهادات خبرة في مجال : القصة .. الشعر .. الرواية .. المسرح شارك في العديد من النشاطات الثقافية ومنها أمسية شعرية بعنوان : رمقات شعرية مع نخبة من الشعراء المعاصرين .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*