منارة الشرق

اِستفهامات انكسارية… بقلم الأستاذ علال فري

علال فري

اِستفهامات انكسارية
——————-

عندما تبدأ الاستطلاع للاطلاع بنفسك على ما حدث و يحدث، أو عندما تبدأ “القراءة” بكل حواسك مجتمعة و تتعلق بها و تعلق فيها، عندما يتملكك الهم، فكأنما دخلت إلى طرف غابة مغلقة أو كأنما وقفت على باب مدينة عظيمة تغري بالاستكشاف. أن تعرف.. فتلك مشكلة.
تبدأ في عد الأشجار و ما تحتها من نباتات، و الحيواناتِ و الطيور و الحشرات. تبدأ في عد الأزقة و الشوارع و المباني التي تخفيها كلها و مختلف ساكنيها. ترسم خرائط لها. و تحفظ المعطيات في تقارير و في جداول بيانتات. و تبدأ الكتب في التكاثر. في الذاكرة نخزنها. أنت هكذا تستطيع عد الأشياء، لكنك لن تستطيع إحصاء كل شيء في هذه الحياة.
و قد تمرر المهمة و الهم لابنك، و ابنك يستطيع فعل نفس الشيء مع حفيدك و هكذا دواليك و تتعاقب الأيام و الشهور والسنون و الحقب و القرون ما دارت الشمس مع أولادها في السماء…
و ها نحن اليوم نقف هنا. أنا و أنت. نحن حفدة كل هؤلاء الذين مروا من هنا و تركوا ها هنا آثارهم. ها نحن نعد الأشياء بدورنا. تراكمات من الأشياء المحفوظة في الذاكرة خلفنا. و أمامنا، تمتد المسافات نحو نهايات مفترضة لا نراها. فلا نحن استطعنا فرادى عد كل شيء تركه أجدادنا من قبلنا، كل هذه الأشياء التي تقف أمامنا كالجبال، و لا نحن نستطيع إحصاء أشياء أخرى تغطيها الامتدادات إلى تلك النهايات المفترضة التي حدثونا عنها.
هكذا، ها نحن نعلم. و لا نعلم. و لا أحد أحصى أشياء هذا العالم المتكاثر.
ها نحن داخل غابة نتطاول على بعضنا برؤوسنا. نحاول أن نرى ما يختبيء خلف بعضنا. و ها بعضنا يدعي أنه يرى أشياء لم نرها. و كثير منا أمورا كثيرة سجل. و الغابة لا نهاية لها. و المدينة تتناسل أزقتها و شوارعها. نذهب في كل الاتجاهات. و من كل الاتجاهات نأتي. نستطلع. نطلع و نقرأ و نقرأ و نقرأ. و ننصت لمن هم أكبر منا. هكذا تعلمنا. لكن، هل من طال به العمر يعلم أكثر أم من في أرجاء المدينة العظمى جال و كثيرا تمشى. و هل من قرأ كثيرا أعلم. من يعلم كل ما عُلم. من هو أبو العلم فينا. هنا بدأت مهمة أخرى. لقد انضاف إلى هم العد هم التحقق مما تم تسجيله من علم. و أتى هم الهدم و إعادة التركيب، مع الاستمرار في البحث و التنقيب و انتشرنا بين الأشجار و الشوارع و الأفكار. لقد تهنا عن بعضنا و تاه علمنا منا و اختلط العقل بالحلم. فماذا نفعل. كنا نفعل كل هذا و نحن نأكل و نشرب و نهرب من الليل و نفرح بالشمس و بالقمر و بالنار.. و نميل إلى بعضنا و نتداخل و نتكاثر. ذهبنا إلى البحر فنهرنا البرق و الرعد و رفعنا أعيننا إلى السماء. و اختلطت علينا الأشياء. فكيف نعرف ما في الأرض و ما في البحر و ما في السماء و ما في المدينة. كيف ندخل كل هذه الأشياء الكثيرة و الكبيرة إلى عقولنا الصغيرة.

(…)

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*