منارة الشرق

البومة وطلاسم الليل | بقلم الكاتب : سعد محمد موسى – العراق

صائد الليل

ذات مساء تناهى الى مسامعي نعيب بومة من أطراف غابة في فكتوريا أثناء زيارتي الى دار أصدقاء استراليين .. فابتهجوا لسماع الصوت وعلت الابتسامات على وجوههم.. بينما صدى نعيب البومة أعاد بيّ شعور مختلف ومحير ما بين الاعتقادات المتناقضة لرمزية هذا الطائر المتخفي.
فهو طائر الشؤم والموت والسحر الاسود في القصص الشعبية وكان أيضا يرمز للحكمة والقدسية في الحضارات القديمة .. وهو عراب أسرار الليل وطلاسم البساتين والغابات والاطلال.
يسحرني هذا الطائر بغموضه وغرائبيته وهدوئه.. وبملامح وجهه المستدير التي تشبه صحن صغير وبعينيه الحادتين ذات الاهداب الطويلة التي تختلف عن بقية عيون الطيور لاسيما التشابه مع عيون الانسان حتى في موقعها من الوجه.
ويذكرني طائر البوم المنزويّ والكسول أيضا بحياة الشعراء والعشاق .. لانهم جميعاً كائنات ليلية لهم لغة وطقوس وجنون لايدركها غير الليل.
وكذلك استحضرت حكاية قديمة من أطلال خربات المدينة ذات ليلة تجمع سكان المحلة حول خربة متروكة في شارع الطفولة بعد أن سمعوا نعيب البومة فيها .. أما كبار السن وشيوخ المحلة فقد حذروا الاولاد من قتل البومة .. لان روح البومة القتيلة ستكون نذير شؤم ولعنة ستحل في روح القاتل وسيحل الخراب في المحلة!!
هذا ماصرح به شيخ مختار المحلة مع السيد أبو المجاهيل حين جاؤا الى الخربة.. بعد أن أبعدوا الصبيان الذين كانوا يقبضون في أكفهم على أحجار..أو الاقتراب من الزاوية التي كانت تحط بها البومة أو محاولة قذفها بالحجر ..كان شبح البومة يترآى قابعاً في زاوية الخربة وهي تقف فوق بقايا جدار طيني قديم .. وكانت عينيّ البومة تتوقدان بشرر مثل جمرتين لاسيما حين هاجمها خفاش كبير على حين غرة وبات يدور حولها فبقيت البومة تحافظ على هدوئها وهي تستدير برأسها بحذر وتتابع طيران الخفاش الاخرس وهو يموه عن تواجده خلف نخلة عجفاء تعد أيامها الاخيرة في باحة دار الطاشوشة وقارئة الفأل العجوز العمياء والتي تعيش وحيدة وسمعت من حكايات المحلة ان لها علاقة بالجان وهم يزوروها في مناسبات معينة ويتراطنون بلغتهم وهمهماتهم الغريبة في الليالي الظلماء حين يغيب القمر .. تحت النخلة التي يعيش فيها الخفاش الشرس.
وكنت أتذكر أيضاً أن القطط في المحلة تجمعت حول الخربة وهي تراقب بفزع وارتياب هجوم الخفاش الحذر والسريع نحو البومة..
ولكن في الجولة الاخيرة انقضت البومة بمخالبها التي كانت تخشاها حتى القطط على الخفاش .. فمزقته بحركة خاطفة ..
ثم بقيت البومة تحدق في الناس والخربة وبعدها طارت بخفة في سكون الهجيع الاخير من الليل بعد أن تركت نعيبها ونبؤتها في خراب المدينة.

 

About أيمن دانيال 240 Articles
كاتب وشاعر سوريا / حلب محرر في صحيفة منارة الشرق للثقافة والإعلام .. ناشر في جريدة بلدنا 2007 ناشر في مجلة أدباء الشام 2008 ناشر في جريدة الجماهير 2010 ناشر في مجلة أحوال البلاد الإلكترونية 2017 ناشر في صحيفة منارة الشرق للثقافة والاعلام 2018 ناشر في جريدة الرؤية العمانية 2018 ناشر في جريدة العربي اليوم المصرية 2018 ناشر في مجلة كلمات ليست كالكمات 2018 ناشر في مجلة آفاق حُرّة الأردنية 2018 ناشر في مجلة المنار الثقافية الدولية 2018 ناشر في صحيفة فسانيا الليبية 2018 عضو سابق في ملتقى الأدباء والمبدعين العرب . حائز على شهادات خبرة في مجال : القصة .. الشعر .. الرواية .. المسرح شارك في العديد من النشاطات الثقافية ومنها أمسية شعرية بعنوان : رمقات شعرية مع نخبة من الشعراء المعاصرين .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*