لماذا اطلقت الاستخبارات الامريكية لقب “مستر بيف” على الملك حسين ومن كان رئيس الملك و(مشغله) في عمّان ؟؟ بقلم : د. اسامة فوزي - منارة الشرق للثقافة والإعلام

لماذا اطلقت الاستخبارات الامريكية لقب “مستر بيف” على الملك حسين ومن كان رئيس الملك و(مشغله) في عمّان ؟؟ بقلم : د. اسامة فوزي

لماذا اطلقت الاستخبارات الامريكية لقب “مستر بيف” على الملك حسين ومن كان رئيس الملك و(مشغله) في عمّان ؟؟ بقلم : د. اسامة فوزي



قولي بأن ”مستر بيف” هو "الملك حسين" لا أقصد به السخرية من “جلالة المرحوم” لا سمح الله وانما هو اللقب او (الكود السري) الذي اعطي للملك الاردني من قبل المخابرات المركزية الامريكية عندما عمل الملك لديها بوظيفة جاسوس لمدة عشرين عاما مقابل مليون دولار شهريا اعتبارا من عام 1957 وحتى إستلام الرئيس "كارتر" الحكم , لان الرئيس كارتر هو الذي (طرد) الملك حسين من وظيفته في المخابرات المركزية الأمريكية من باب أنه من المعيب ان تشغل المخابرات الامريكية رؤساء دول كعملاء لها بالأجر .
مستر ”نو بيف” No Beef هو الكود أو الرمز الذي يرد ذكره في جميع وثائق المخابرات المركزية الامريكية السرية منذ عام1957 وحتى عام 1975 .
مستر ”نو بيف” هو أهم عميل للمخابرات المركزية الأمريكية في الشرق الاوسط كما تذكر وثائق المخابرات الأمريكية وجريدة "الواشنطن بوست" في خبرها المرفق وهو الاعلى اجرا . فقد كان يتقاضى مرتبا شهريا مقداره مليون دولار وقد بدأ عمله كعميل للمخابرات المركزية الامريكية منذ عام 1957 اي منذ ان كان "مستر بيف" في الحادية والعشرين من عمره .
مستر ”نو بيف” ~ والبيف كما نعلم هو لحم البقر ~ لم يكن لحاما في أحد المسالخ الحكومية العربية وإنما هو للأسف ملك عربي وهو المغفور له ”الملك حسين" ملك الاردن السابق .
أما الكشف عن علاقة الملك حسين أو مستر "نو بيف" بالمخابرات المركزية الاميركية ومقدار الراتب الشهري الذي كان يتقاضاه منها ولمدة تزيد عن عشرين سنة , فيعود الفضل فيه الى الصحافي الامريكي الشهير ”بوب وورد” وهو الصحافي ذاته الذي فجر فضيحة "ووترغيت" التي اطاحت بالرئيس الامريكي .
للحكاية قصة نشرتها جريدة ”واشنطن بوست” في عددها الصادر في الثامن عشر من فبراير عام 1977 حيث أكد الصحافي الامريكي الشهير ”بن برادلي” رئيس تحرير الواشنطن بوست , فاعاد سرد حكاية ”مستر بيف” في مذكراته التي صدرت مؤخرا في امريكا بعنوان ” A good life" .
تحت عنوان ”المخابرات المركزية الامريكية" , دفعت الملايين ولمدة عشرين عاما للملك حسين . وفي هذا السياق , كتبت "الواشنطن بوست" في فبراير عام 1977 لتقول : علم الرئيس "كارتر" خلال ذلك الاسبوع أن المخابرات الامريكية المركزية كانت تدفع مليون دولار شهريا للملك "حسين" شخصيا وإن المبلغ كان يسلم للملك كاش بوساطة مدير مكتب المخابرات المركزية في عمان منذ عام 1957 . وفي مقابل ذلك , كان الملك يقدم معلومات هامة وخطيرة للمخابرات المركزية . وأضافت الجريدة أن المبلغ لم يكن جزءا من المساعدات التي تدفع للمملكة الاردنية بشكل رسمي وانما هو بمثابة رشوة . وكان يدفع نقدا للملك "حسين" شخصيا الذي كان ينفق المبلغ على شراء السيارات . واضافت الجريدة أن المخابرات المركزية أعتبرت تجنيد الملك شخصيا ليعمل لديها كعميل من أهم إنجازات الوكالة . وقالت الجريدة ان هذا المبلغ هو الذي وفر للملك حياة البذخ التي عرف بها بحيث اصبح ”بلاي بوي برنس” كما تقول الجريدة . وأضافت الجريدة أن المخابرات احاطت الملك بمرافقات جميلات . وختمت الجريدة مقالها بالقول ان الرئيس "كارتر" هو الذي امر بوقف دفع المبلغ للملك "حسين" لانه اعتبره امرا معيبا .
يومها , دافع الملك عن نفسه بالقول أن المبلغ كان يدفع له ليؤمن حراسات أمنية لاولاده الذين يدرسون في أمريكا . وكانت هذه الحجة سخيفة لان الملك بدأ عمله مع الوكالة منذ عام 1957 بينما ولد أكبر أبنائه (عبدالله) , الملك الحالي بعد ذلك بخمس سنوات .
رئيس تحرير "الواشنطن بوست" التي نشرت المقال آنذاك ”توم برادلي” أعاد سرد تفاصيل الفضيحة في مذكراته التي صدرت مؤخرا ووصف فيها كيف إلتقى هو و"بوب وورد" بالرئيس "كارتر" الذي أكد لهما الخبر وطلب منهما عدم نشره حفاظا على سمعة الملك ومصالح المخابرات المركزية في المنطقة . لكن "الواشنطن بوست" نشرت الخبر رغم ذلك مما ادى الى قطيعة بينها وبين "كارتر" .
الصحافي المصري المعروف "محمد حسنين هيكل" ألتقط هذه الفضيحة في كتابه الجديد ”كلام في السياسة” الذي نشره بعد موت الملك "حسين" وحاول ربط عمالة الملك المخابرات المركزية بالنكبات التي أصابت منطقة الشرق الاوسط بسبب التسريبات الأمنية التي كانت تتم للمخابرات المركزية الأمريكية دون أن يعرف أحد مصدرها . وتبين أنها كانت تتم من قبل موظف في الوكالة اسمه "حسين بن طلال" وكان يشغل وظيفة ملك في الاردن ويعرف في أوساط المسؤولين في المخابرات الامريكية بالاسم الكودي ”مستر بيف” .
لهذا , يقول "هيكل" : هرب الملك حسين 16طائرة حربية أردنية من طراز "فانتوم" الى تركيا قبل أيام من حرب حزيران (يونيو) حتى لا يستخدمها المصريون في الحرب ضد اسرائيل رغم ان الملك وقع مع عبد الناصر أتفاقية دفاع مشترك قبل الحرب بأيام . ولهذا ايضا , لم يقاتل الجيش الاردني خلال حرب حزيران يونيو وانما أنسحب وسلم الضفة لأسرائيل حيث تذكر المصادر الأردنية نفسها ان عدد قتلى الجيش الأردني خلال حرب حزيران يونيو لم يزد عن 16 جنديا فقط وهو أمر مثير للسخرية بخاصة وأن الملك لم يخسر في الحرب حارة او مدينة وإنما خسر نصف المملكة (واية ”طوشة” بين حارتين في عمان يمكن أن تؤدي إلى اصابة ضعف هذا العدد , فما بالك بحرب بين جيشين يفترض ان الجيش الاردني خاضها) .
واكثر من هذا , يقول هيكل أن الملك أعترف في لقاء مع ال "بي بي سي" أنه طار شخصيا إلى تل ابيب قبل حرب أكتوبر تشرين وألتقى ب "غولدا مائير" وحذرها من الهجوم المصري السوري .
التجسس ظاهرة معروفة عبر التاريخ . لكنني لم اقرأ من قبل ان ملكا عمل بوظيفة جاسوس لدولة اجنبية مقابل مرتب شهري وأن وظيفته هذه جعلته يسلم نصف مملكته للعدو .
لعل هذا يفسر جانبا من اللغز في أختفاء كتاب ”كلام في السياسة” كتبه "هيكل" . فأختفائه ليس فقط من الأسواق الأردنية التي لم يدخلها أساسا., وإنما أيضا من الأسواق العربية لأن المخابرات الاردنية كانت مشغولة بلم النسخ من خلال شراء كل الكميات المطبوعة منه .
الرشوة عرفناها و "مستر بيف" عرفناه والرئيس الأمريكي الذي طرد "مستر بيف" من الوظيفة عرفناه ايضا , ولكن الذي لم نعرفه بعد هو من هن ”الجميلات” اللواتي غرستهن المخابرات الأمريكية في قصر الملك وفقا للخبر المنشور في "الواشنطن بوست" وهل الامريكية ”أليزابت الحلبي" او "ليزا الحلب(الملكة نور) واحدة منهن ؟
"الواشنطن بوست" ذكرت أن المبلغ الشهري كان يسلم كاش للملك من قبل رئيس مكتب الاستخبارات الامريكية في عمان وأن الملك بدوره كان يدفع لاخرين في الأردن من المبلغ الذي يتلقاه وأن مليون دولار عام 1957 , يعادل هذه الأيام أكثر من مائة مليون دولار . ففي عام 1957 , كان مرتب الضابط الأردني لا يزيد عن سبعة دنانير أردنية .
.لكن من هو رئيس مكتب الاستخبارات الامريكية في عمان الذي كان (يشغل) الملك ويدفع للملك مرتبه الشهري ؟
لقد كتبت من قبل عن ظروف لقائي برئيس المخابرات الاردنية ومؤسسها "محمد رسول الكيلاني" في عمان في منزل رئيس وزراء سابق وكان الكيلاني يومها بمثابة رقم أثنين في هيكلة الحكم في الأردن بعد الملك من حيث القوة والسطوة والنفوذ . لكن لا "الكيلاني" ولا حتى رئيس وزراء الاردن "وصفي التل" كان يمكنه تغيير مدير التلفزيون الاردني الفلسطيني (محمد كمال) ولا حتى زيارة مبنى التلفزيون دون اذن مسبق من "محمد كمال" !!
ولما إحتج شيوخ عشائر على برنامج بثه التلفزيون الأردني , رد عليهم الملك نفسه بعبارة شهيرة قال فيها : من لا تعجبه برامج التلفزيون , لا داعي لأن يشاهدها يا سادة . "محمد كمال" , كما سمعت شخصيا من كبار المسؤولين في الأردن أنه هو الذي كان يحكم الاردن وهو الذي كان يدفع المرتب الشهري للملك بصفته رئيس مكتب الاستخبارات الامريكية في عمان والمكلف بتشغيل الملك .
"محمد كمال" من "عنبتا" (الضفة الغربية) . تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وأسس التلفزيون الأردني عام 1966 وظل رئيسا له حتى عام 1984 . ثم اصبح سفيرا للأردن في واشنطن وعضوا في مجلس أعيان الملك .
"مستر بيف" أنتقل الى رحمته تعالى وأظنه يحاسب الآن في قبره على بعض ما فعله بحق وطنه ودينه وأمته .

ولكن السؤال المطروح الان هو : كم عدد من يوجد بين حكامنا العرب أمثال "مستر بيف" ؟
إن أكثر ما نخشاه أن يقوم مسؤول أمريكي آخر بتسريب فضيحة مماثلة إلى الصحف تمس رئيسا أو ملكا عربيا وأن يكون الكود السري للرئيس او الملك العربي من طراز ”مستر بيف” مثلا ”مستر فاصوليا” أو مستر ”فلافل” . وإذا كان لا بد للمخابرات المركزية الامريكية من تجنيد الحكام العرب في مؤسساتها , فعلى الأقل نرجو منها أن تعطيهم ألقابا ورموزا كودية محترمة حتى نتمكن من نشرها في جريدة "عرب تايمز" دون أن نتسبب في قرف القراء منا ومنهم .

غفر الله لهم وأسكن "مستر بيف" فسيح جناته ورزق العرب بحكام من طراز حكام إسرائيل ممن لم نسمع ولم نقرأ من قبل انه كان بينهم ”مستر بيف” او ”مستر بطاطا” وأن أهدافهم المعلنة والسرية كانت ولا تزال تثبيت إقامة إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات ويبدو انهم سينجحون في تحقيق هذا الحلم خاصة وانه كان بين قادة خصومهم العرب من هم من طراز ”مستر بيف” , الطيب الذكر .

رابط للخبر الذي نشرته الواشنطن بوست عام 1977 وكشفت فيه مستر بيف أو أكتب في محرك البحث "غوغول".عبارة :
CIA Paid Millions to Jordan’s King Hussein





التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.