وقفة سريعة على قصيدة الشاعرة نجاة شمسان شهقة في طقوس الذات للشاعر والناقد/ مسعد عكيزان

وقفة سريعة على قصيدة الشاعرة نجاة شمسان  شهقة في طقوس الذات للشاعر والناقد/ مسعد عكيزان

شهقة في طقوس الذات

إلى مهــجٍ تأوي إليهــا مواجعُ
أيأتون ؟! ها حولان واليتْمُ قابعُ

أيأتون مثلي، أو كدرْبٍ مؤجّــلٍ
كتيــهٍ إلى دوّامــة الــــ آ يــسارعُ

أنــادي وبــي آﻫٍ تضجُّ بأضْلعــي
كأنّ الأسى في قبضتيها مقامعُ

أنادي قفار الغيمِ يدْركني دمٌ
أحاول لــمَّ الموت تنمو أصابــعُ !!

أدور كما" المجْذوب" أرسمُ موطنا
تطالعُني مــن مقْلتيــهِ فواجــعُ

أفتّش عن جفْنيه أمْسح دمْعةً
يطالعني وجهٌ على البؤسِ دامعُ

ويبْلعني بعْدٌ وتأتي عواصمٌ
ويبدو على حِسِّ الترقّــبِ سابــعُ

أنا ها هنا -صنعاءُ-أطيافُ عابرٍ
يطالعها وجْهٌ على الموتِ طـالعُ

يلوحُ لعيــــني في التوابيتِ طائفٌ
ومن كلِّ ضلْعٍ في الأسى طَــلَّ ضــالـعُ

بــلادي، قبورٌ لا تــهادنُ مــوتها !!
فللموتِ مثْل السائرين مطـــــامــعُ

أنا وجهها الذاوي وبابٌ مـواربٌ
لآتين قالوا ودّعتْهمْ روائــــــــعُ

وبين ثنايا الجفْن عمرٌ مكفّنٌ !!
يئـنُّ، وفي يــتْـمِ المدينةِ ضـائــعُ

ويمْسك أقْـدام السويعاتِ بائسٌ
يشيخُ، بكفِّ الوقـتِ والجرحُ يافــعُ

فتذوي على موج الرجاءاتِ موجةٌ
وتعلو على شطِّ الكــفافِ زوابــعُ

وعن هائمٍ ما زال في القُرْبِ نائيا
يسـابقـــه , دربٌ و دربٌ يمـــانــــعُ

يعاني عناء البعْد يأسى كما أسى
وقد خانه المَسْرى وشاختْ مسامعُ !!

وعن من يسحُّ الآن في كلِّ عــــبْرةٍ
كــــأنَّ نهــايات الفنــــاءِ طلائــعُ

فيا مانحي جدبًا بإحراقِ غيمهِ
دمي وجِهــةٌ للبرقِ في الأفْقِ ضارعُ

تعالَ إلى صمتٍ ذوى , ضجّ داخلي
كمليون فرْدٍ , وهو همْسًا ينازعُ

تعالَ إلى ذاتٍ "تسرْسبُ" داخلي
مواجيدَ أحزانٍ بها الغصْنُ راكعُ

تَبعْثرَ قلبي في الفناءِ ولم أجدْ
فضاءات أفراحٍ بهـا الهُدْبُ لامـعُ
…… ..

تعليقي على نص نجاة شمان المعنون بـ(شهقة في طقوس الذات)



يا لها من شهقة شقت طريقها مجرورة في استهلال حددت معالمه صور أفرزتها المخيلة المكتضة بالوجع، فزفرته لينبئ عن ذات تتلظى، فاتخذت من الشعر متنفسا لما يتأجج في الجوى.

ومع ذلك الألم الذي يجلجل الذات تشعر بحجم الشتات الذي احتواها من خلال حالة الاستفهام المتوالية الواردة هنا كنظير للحالة الداخلية التي أفرزت النص كقيمة معبرة عن الذات نفسها..
أياتون؟!
أياتون؟!
أنادي
أنادي
أدور
أفتش

الشك دائما هو النقطة الأولى في رحلة البحث عن اليقين، وهنا ينطلق الصوت عاليا مكثفا للبحث عن الإجابات يليه الفعل تأكيدا على العزم في المضي لبلوغ ما يرام لإشباع فراغ داخلي ولد الإحساس بالخواء.

تقودنا مفاتيح النص إلى حالة تأكيد الوجودية كمقابل ومعادل لما سبقها من تأرجح في الضياع، وهذه الكيونة مقرونة بالمكان كدلالة ارتباط وانتماء يعلن عن علاقة وثيقة بين الانسان والمكان .. الانسان والحدث.
أنا ها هنا ـ صنعاء ـ أطياف عابر

تنبثق من تلك الثنائة سلطة الثقافة المهيمنة والمتحكمة في النتاج الفكري كأحد مفرزات الحضارة.
نلاحظ أن الواقع يلقي بظلاله الكثيفة على الوجدان الطاغي على النص مصورا ما يدور، ولكنه يتخذ من الذات إيقونة يصهر بها عينة مختزلة يضعها للمتلقي والذي بدوره ـ كشريك في العملية الابداعية ـ يلزمه التنقيب والبحث عن الدلالات المزروعة في رحم النص بغية الوصول إلى جوهرها.

بلادي قبور لاتهادن موتها!!

أنا وجهها الذواي..

حميمية مفرطة وتصوير دقيق كثف الدلالة في أوجز معنى يكشف الستار عن حجم المأساة التي طغت على نبرة النص المليئة بالشجن المعبر عن الوجع الطافح كرد فعل للمشاهدات المتوالية لصور الموت التي أصبحت شيئا مألوفا في بلاد تلقفها الضياع في براثن الصراع الدامي الذي دمر كل شيء جميل .

وكقفلة محكمة للنص الأسطوري باذخ الجمال الذي أمامنا جاءت حالة الاحتياج المكثفة أيضا تعبيرا عن وجدان مرهق يبحث عن حالة سكون يلوذ بها، وفرح بات مفقودا في خضم كل ما يعيشه ويعايشه الناص.


نجاة شمسان..
لست بالناقد لذا لن أخشى من توثيق عبوري بهذه الكلمات البسيطة تعبيرا عن إعجابي الشديد بشهقة ذاتك التي لامست الوجدان واستفزت الفكر أن يجعلني أقرأ مرة وأخرى وأخرى.

خالص التحايا لهذا الإبداع المميز.



التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.