حواء والقوة الناعمة/ كتب : صالح عبده إسماعيل اللآنسي

حواء والقوة الناعمة/ كتب : صالح عبده إسماعيل اللآنسي

حواء والقوة الناعمة

كتب : صالح عبده إسماعيل الآنسي

مع أن مصطلح القوة الناعمة ( Soft power ) هو مفهوم سياسي، صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفارد، لوصف القدرة على الجذب والضم دون الإكراه، أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع، وذلك في كتابه الصادر عام2004 بعنوان "القوة الناعمة : وسائل النجاح في السياسة الدولية"، وصار يستخدم هذا المصطلح حاليا على نطاق واسع في الشؤون الدولية ؛ إلا أنه كوسيلة فعالة وكسلاح فتاك؛ كان وسيظل ألصق ما يكون بحواء، وبما تتميز به أنوثتها من خاصية القدرة على الجذب والتأثير السريع، وكسب ود وتعاون الرجل..في سبيل الوصول إلى غاياتها المنشودة .
فقبل أن يظهر هذا المصطلح دوليا، ويستخدم كوسيلة وأداة فعالة في السياسة؛ كانت حواء منذ فجر البشرية هي أول من استخدمته، ومارست الجذب والتأثير والإقناع به، في تعاملها وعلاقتها مع الرجل تحديدا، ليس بالضرورة عن سبق نية وإصرار وترصد منها، أو تعلم وتدرب على إجادة إستخدامه كتكنيك ومهارة؛ ولكن هي قدرة فطرية جبلت عليها، وولدت وجاءت معها، وكانت وستظل من أهم ميزات أنوثتها الجاذبة.
فحواء هي القوة الناعمة، والقوة الناعمة هي حواء، سواء كانت ذات إطلالة جميلة ساحرة وحظور قوي طاغي، أو زادت على ذلك أنها ذات دين وخلق، وحشمة وتحفظ، وعفة وجمال روحي، أو كانت مثقفة وذات منطق عذب وطرح خلاب، أو لم تكن كل ذلك أو بعضا من ذلك، فحواء - أي حواء..كأنثى - يظل لديها ما تتميز به من عناصر الجذب والإغراء، إلى جانب غناها بالعاطفة والإحساس، واتصافها بالبذل والعطاء والتضحية، والإهتمام حتى بأدق التفاصيل، وحس الرعاية.
كلها مجتمعة تشكل عناصر قوة جذب ناعمة مؤثرة، لا تخلو منها أي حواء، وإن كان التمتع بها يأتي على نسب متفاوتة بين حواء وأخرى.
وعندما شعرت حواء - منذ أمنا الأولى - أنها تمتلك بجمال ورقة أنوثتها مقومات القوة الناعمة؛ أحسنت وأجادت إستخدامها كوسيلة لتحقيق نجاحها في كل شأن من شؤون الحياة، وفي الإسهام برقي وتطور المجتمعات وبناء الحضارة، وأتجهت إلى الإهتمام أكثر بزيادة فاعلية تأثير هذه القوة الكامنة، بإهتمامها الدائم والمتصاعد بجمالها الشكلي والروحي، وبمظهرها الخاص والعام، وبتنمية مدخلات ثقافتها المعرفية، ومخرجات قدراتها ومواهبها الإبداعية، وبدورها في الأسرة والمجتمع، وحقل التربية والتعليم والعمل والإنتاج، وحتى في السياسة، في سعيها نحو المثالية والكمال الإنساني الأنثوي؛ لتظل ذلك الجنس اللطيف المحبوب من الجميع، والمؤثر في الجميع.
وغير خافٍ بذلك ما لعبته حواء، وقامت به من دور وتأثير كبير، وكانت في الأغلب هي الجندي المجهول الذي يقف خلف تحقيق نجاحات الرجل في كثير من المجالات، بتفان ونكران ذات، وتضحية منقطعة النظير.
فما لا يستطيع الرجل تحقيقه إلا في أمدٍ طويل ؛ قد تستطيع حواء - بالإيحاء الخفي واللماح، أو الظاهر المتعمد لقوتها الناعمة - تحقيقه بأقصر الطرق ومختصر السبل..وفي وقت قياسي؛ على أن لا تسرف في استخدام هذه القوة على حساب دينها وخلقها وعفتها وشرفها في التعامل والتعاطي مع الرجل الغريب عنها تحديدا، فهي تمتلك بقوتها الناعمة سلاح ذو حدين، فسواء أحسنت استخدامه، أو أساءت؛ فسوف تصل به إلى غاياتها.
فالرجل..أيا كان..وأينما كان..مفطور ومجبول على الميل والإنجذاب الطبيعي إليها، وعلى التعاطي معها بلطف واحترام، بل وفي كثير من الحالات برحمة وحمية وغيرة وشهامة، وخوف عليها..وخصوصا الرجل العربي المسلم، الملتزم بدينه وقيم ومبادئ مجتمعه، والمنفتح على العالم وعلى الثقافات الأخرى بوسطية واعتدال، من قد يرى في أي حواء صورة أمه أو زوجه أو إبنته أو أخته أو رحمه، ويرى أن من واجبه مساعدتها، وتلبية حاجتها إليه، ليصونها ويحفظها من إستغلال الغير الذي قد يكون سيئا لها، إلا من شذ عن هذه القاعدة، وشذوذه قد يكون سببه حواء نفسها، فحتى مرضى النفوس قد يضطرون مرغمين لحسن التعاطي معها بلطف وعفة وحياء، بل وحتى بحمية، ما دامت حواء نفسها هي من تستطيع - بنمط وأسلوب استخدامها لقوتها الناعمة - فرض ذلك عليهم، فهي من تضع سقفا ينتهي عنده حدود علاقتها بالرجل، وتفرض عليه بنوعية سلوكها احترامها من عدمه، وترسخ بذلك صورتها المهيبة والمثالية .
والتاريخ والواقع المعاصر يزخر بالكثير من شواهد نجاح حواء وبلوغها القمم وأعلى الدرجات، وبسرعة الشهرة والإنتشار الذي حققته وتحققه في كثير من المجالات، وخصوصا الأدبية والفنية، فظاهرة ميل الرجل أكثر إلى تشجيعها، والثناء على نتاجها الأدبي والفني باتت ملموسة ومألوفة بالعالم الإفتراضي وعلى أرض الواقع، وفرص المساعدة والأخذ بيدها والتعاون معها صارت متاحة لها، أكثر مما هي متاحة لشقيقها الرجل، المشترك معها في نفس الموهبة والإهتمام أو العمل، وهو أمر طبيعي لا نحسدها عليه، ولا نلوم الرجل عليه، بقدر ما نهيب بها أن تحسن استخدامه واستغلاله، بما يعود عليها، وعلى الثقافة والإبداع، وعلى المجتمع ككل بالنفع، والفائدة والمصلحة العامة، وبما يسهم في الحفاظ على القيم والمبادئ، وعلى صورتها التي يجب أن تظل نقية ومشرقة، وختاما بما لا يسمح لضعاف النفوس بإستغلال طموحاتها وتطلعاتها والقوة الناعمة لأنوثتها في الوصول إلى أغراضهم الدنيئة ومآربهم الرخيصة منها أو عن طريقها، ومحاولة جرها إلى ما لا يحمد عقباه.




التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.