قراءة في قصيدة "حكم القدر" للشاعر النبطي اليمني خالد محمد صلاح الأصنج/ كتب : صالح عبده إسماعيل الآنسي

قراءة في قصيدة "حكم القدر" للشاعر النبطي اليمني خالد محمد صلاح الأصنج/ كتب : صالح عبده إسماعيل الآنسي

قراءة في قصيدة "حُكم القدر"
للشاعر/ خالد محمد الأصنج

كتب / صالح عبده إسماعيل الآنسي


خالد محمد محمد صلاح الأصنج ، شاعر نبطي وشعبي فذ ، وإنسان جد خلوق ، يأسُرَكَ بطيب تعامله ومعشره ، ووعيه ومتواضع ثقافته ، وثقته واعتداده بنفسه، وإيمانه بمبادئه ، وحبه ووفائه لأصدقائه ، ونبله معهم ، وبإسلوب تناوله الشعري الرصين ، والسلس في آنٍ واحد ، وقوة ألفاظه القبلية الشعبية الأصيلة ، غير المبتذلة ، وغير الغارقة في العامية الدارجة ، وبتمكنه بجدارة من القدرة على كتابة القصيدة الطويلة ، وأبيات ما يسمى محلياً بالزامل الشعبي.

هو واحدٌ منا ، من المغمورين ، المولودين من رحم المعاناة ، الذين أخفتهم -قسراً- عن تسجيل الحضور بالمشهد الأدبي والشعري ظروف الحياة ، والمعيشة القاسية ، كما فعلت بالكثير من الأفذاذ الموهوبين من مثله ، ولم تدع لهم فرصة للإنبثاق ، وللصعود إلى بؤرة النور ، كيما يتمكنوا من إسماع الملايين أصواتهم ، ويُوصِلوا رسالتهم الأدبية الشعرية السامية ، إلى اكبر شريحة ممكنة من الناس، وعلى أوسع نطاق ، إذ لا يكتبُ الشاعر شعره ؛ إلا لكي يُقرأ له ويُنشر ، لا أن يظل بأفيائه وبساتينه الوارفة حبيس ظلمات الدفاتر والأدراج.

هو شاعرٌ يجمع بين رصانة اللفظ، وعذوبة الصورة والمعنى ، صادق التجربة والشعور في كل ما يكتبه ويتناوله من الأغراض ، يجيد رسم ملامح كل أشكال المعاناة الإنسانية ، وخصوصاً الظلال الكئيبة الموحشة للغربة ، ولوعة الأشواق والحنين إلى الأحبة ، بفرشاة مفرداته البسيطة والأصيلة ، لتحرك بصدقها، وقوة ما فيها من العاطفة والوجدان- ساكن الإحساس والشعور ، وتهيج كامن الأشجان عند المتلقين ،والتي-للوهلة الأولى- قد تبدو للقارئ أنه تعمد أن ينتقيها بعناية فائقة ، إلا أنها تخرج عنه بعفوية وتلقائية بالغة ، وليدة اللحظة المتوهجة بالإلهام ، والمعاناة الصادقة ، لتخاطب ببساطتها كلاً من الإنسان العادي ، والمثقف النوعي والأكاديمي معاً ، كما هي سمة الشعر النبطي والشعبي الغالبة ، اللذان يميل إليهما كل العامة ، ويجدون أنهما الأقرب إليهم من شعر الفصحى ، والذي يقال عنه أنه فن النخبة.

وهو نفس إحساس التأثر ، الذي سوف نشعر به ، ونعيشه معه ، ونحن نقرأ له هذه القصيدة الجميلة " حكم القدر " ، التي أملاها عليَّ -من ذاكرته-ذات يوم ، وهي من بحر البسيط النبطي ، وتحمل بعضاً من سمات الشعر النبطي ، في متانة السبك وثنائية القافية ، وإن كانت الكثير من مفرداتها غير نبطية ، وتحمل سمات الشعر الشعبي ، من حيث الإبتداء بالإبتهال والدعاء ، والثناء على الخالق عز وجل ، والختم بمثل ذلك ، والتي قال عنها : إنه كتبها بعام 1999م ، وهو قابع بمنطقة (ثمود) حضرموت ، بعد أن طال غيابه ، وغربته عن أهله ، فأشجته بشدة لوعة أشواقه إليهم ، وعذبه شعور الغربة القاسي عنهم ، والذي لا شك أن ما من أحدٍ منا ، إلا وقد جرَّبَهُ ومرَّ به ، وهو من الأغراض التي لطالما قد تناولها الشعر كثيراً ، بمختلف أطيافه وألوانه.

ولعل من ما سيُلفِت-الشاعرخالد الأصنج -إنتباهنا إليه في قصيدته..هو الحجم الهائل من الوفاء الذي يحمله لأهله في القرب والبُعد والغربة عنهم ، على حدٍ سواء ، حين لا يستهويه التعلق بجمال العابرات الفاتنات ، ليهبهنَّ شعره وقلبه ، لأن قلبه هو مِلكٌ لفاتنته وحدها ، إذ ليس من طباعه اللعب بالمشاعر والقلوب ، ولا يرتضى بذلك.

والآن..أدعكم لتعيشوا لحظات رائعة ، من الشعور بالدهشة ، مع قراءة نص القصيدة :

قصيدة ...{ حُكم القدر }

للشاعر/ خالد محمد الأصنج


من جودَك الجود ، جُد لي بالكرمِ والجود
أَنتَ الذي يا إلهي سائِلك ما خاب

عالم بعبدك ، وعارف ما هوَ المقصود
يا رب عُمرِه-زماني-ما استوى أو طاب

مُقسِّمَ الرزق ، وِسِّع رزقيَّ المحدود
ويسِّره يا إلهي ، سَهِّلَ الأسباب

عالم بحالي،وكم لي في(ثمود) معرود؟!
مفارق الأهل ، والأوطان ، والأحباب

من عيشتي هذهِ..قلبي قدوه مكدود
دايم زماني . . وانا متحمّلَ الأتعاب

باقول شعري على نغمة وتر من عود
شِفت الصبايا على شكل الحمام-أسراب

واحد مبرقع ..رموشه والنياني سود
يغوي-جماله-مصلي داخل المِحراب

حوري من الحور في داخل (ثمود) موجود
حسنه من الحسن ذي تخضع له الأشناب

لَمَّا رأيتِه ؛ ذكرت الخالقَ المعبود!
وقلت : سبحان من سواك يا جذاب!

لكن أسف!..منت من أبغى، ولا المقصود!
في القلب قبلك سكن قمري وصكّ الباب

واصبح فؤادي أسيره ، في الهوى مقيود
ما ارضى بغيره ، ولا انا بالقلوب لعاب

روحي بأسره ، وقلبي في هواه مشدود
غزال . . فتَّان ، حُسنِه للقلوب سلَّاب

يا طير : بَلِّغ سلامي ، بَخِّرِه بالعود
بلِّغ حبيبي التحيَّة ، واشرح الأسباب

وقلَّهُم : من تأخَّر؟! ؛ ما عليه منقود
طبع المعيشة تعب ، بل ترهِق الأعصاب

حُكمَ القدر .. ذي جعلني-دائماً-مبعود
واحرق فؤادي ، وفرَّق بيننا يا احباب

مهما افترقنا ! ؛ مع الأيام انا باعود
ما خِل ينسى خليله ، لو يغيب ما غاب!

ما انساك..ما انساك،يا فاتن،و يا رغدود
مُعجَب بحُسنك،وانا في غايةِ الإعجاب

أتخيَّلَك .. في الليالي المُظلمات. .السود
ساهر لوحدي ، ودمعي عالخدود سكَّاب

صَحَّ الجَسَد في ثمود،والروح مُش موجود
روحي معاكم ، وعنكم - دائماً - ما غاب

أشعُر كأني بدونك -يا حبيب-مفقود
ضايع بدنيا وسيعة ، ما لها أبواب

واختم مقالي بذكر الطَيِّبِ المحمود
ما حَرَّكَ الخلق..نونَ العين والأهداب




التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.