غداً أحلامُنا تُزهِر..قصة واقعية مؤثرة من معاناة المرأة اليمنية والعربية المبدعة/كتب:صالح عبده إسماعيل الآنسي

غداً أحلامُنا تُزهِر..قصة واقعية مؤثرة من معاناة المرأة اليمنية والعربية المبدعة/كتب:صالح عبده إسماعيل الآنسي

غداً أحلامُنا تُزهِر
قصة واقعية مؤثرة من معاناة المرأة اليمنية والعربية المبدعة
كتب/ صالح عبده إسماعيل الآنسي

تشرفت بمعرفتها ذات يوم على الوتساب، بأحد الجروبات الأدبية منذ ثلاثة أعوام مضت، عندما تواصلت بها على الخاص؛ فهنئتني بفوز نصي بالمركز الأول بمسابقة أدبية أجريت في ذلك الجروب.
كانت تسمي نفسها....، وعرفت منها أنها شاعرة فصحى عمود ، من مدينة ....، وأنها معلمة، بل مدربة معلمين، وأنها تعد رسالة لنيل درجة الماجستير بجامعة......، وأنها متزوجة ولديها ابنتان قمراوان، أرتني صورا لهما بعد ذلك بأشهر
ولما شعرت بالإرتياح البالغ لي ولنقاء تواصلي، حدثتني أن زوجها أختلف معها وهجرها، وأنها تعيش بمنزل أهلها، وحدثتني عن سوء تعامله معها، وغلظته، وجفاء طباعه، وألمحت لي بنبذة عامة عن شخصها، وكم كانت منذ صغرها مطمع للكثير وأمنية للكثير.
دام تواصلنا مستمرا، وكانت لا تبدأ بالتواصل بي من تلقاء نفسها، ولاتنضم لأي جروب أدبي غير ذلك الجروب الذي عرفتها منه، ولا تنشر نتاجها باسمها الحقيقي؛ ولا حتى المستعار بأي موقع من مواقع التواصل، وكانت تبعث لي بكل جديد لها من شعرها..كلما سألتها عنه حاثا لها ومشجعا، وتحدثني بمستجدات حياتها، وعن همومها وأحزانها، وسوء حظها في زواجها، وعن تعدد مواهبها، وصلابتها وقوة إرادتها، وطموحاتها في الحياة.
وكنت لها الأخ المود الوفي، والبلسم الذي يداوي جراحاتها، ويذهب عنها بعض حزنها..بمواساتي لها، وتشجيعي لزيادة نتاجها الأدبي وجودته، واهتمامي بها، وكانت هي من كتبت فيها وفي إعجابي بنقاء شخصها وشعرها قصيدتي (حواء...مشكاة الحياة).
أخبرتني بعد عام من التواصل أن اسمها الذي عرفتها به وأناديها هو إسم إبنتها الكبرى، وأنها اضطرت أن تخفي اسمها الحقيقي عن الجميع لأنها من أسرة ومجتمع يمني محافظ بشدة، ولأنها أنثى ويجب أن تحيط نفسها بغلاف واقي يحميها، وكانت قد أخبرتني أن والدها قد توفي قبل تعرفي عليها بسنة...رحمه الله.
غبت عنها لفترة دون تواصل، ثم عاودت التواصل بها، وإذا بها تخبرني أنها مع والدتها بصنعاء، تعالجها من مرضها، ثم أخبرتني بعد ذلك بأسبوع أنها مسافرة في طريق العودة بوالدتها إلى منزلهم بمدينة...، ومن هناك بعد أن وصلت أخبرتني عن وفاة والدتها الفورية الفجائية بعد وصولهم بساعة، ووداع والدتها قبل نصف ساعة من الوفاة لكل من في البيت وبعض الجيران والأقارب.. رحمها الله.
كانت حزينة جداً وبائسة، ففي عامين فقط خسرت كلا من والدها وزوجها ووالدتها معا.
مضى بعد ذلك عام ثالث، خلاله..كانت تحدثني عن انشغالها في إعداد دراسة رسالة الماجستير، وظللت لها الأخ الذي تثق به وتأوي إلى ضله من حر همومها وأحزانها، وكانت بحق أنقى وأعف وأنزه وأكمل من عرفت، ومن تعاملت وتعاطيت معهن من الأخوات الشواعر على العالم الافتراضي، حتى أنني استحيت أن أسألها يوما ما عن اسمها الحقيقي، وكنت أناديها بكنية إسم إبنتها الكبرى وحسب.
ويوما ما أخبرتني أن زوجها الذي هجرها بعث لها بشكل فجائي وثيقة الطلاق، فواسيتها تلك الليلة طويلا بكلامي، وخففت عنها بعض ألمها، وقلت لها : هناك ألف ممن يتمناك أختي؛ فلا تحزني؛ سيبدلك الله خيرا منه.
أجابت : أريد زوجا يعرف قيمتي؛ ثم يحبني بعد ذلك لذاتي، ولا يهمني أن يكون قد تعرف بي مسبقا، أو أحبني مسبقا أم لا؛ فالحب والتعارف مقدما قبل الزواج لا يهمني، وأنا لست ممن تؤمن بالحب أو تشترطه قبل الزواج، ولا بالتعرف والحب الإفتراضي على مواقع التواصل والزواج عبرها، وأريد من زوجي المستقبلي أن ينقلني من مدينتي هنا - نهائيا - لأعيش معه حياة جديدة، بعيدة عن جراحات الماضي وكل ما يذكرني به.
أجبتها : إن شاء الله، اسمحي لي أن أبحث لك عن زوج يستحقك أختي، فدرة مثلك، مكنونة غالية، هناك الكثير ممن يطمعون فيها، وفي حيازتها.
وظللنا على تواصل حتى نقلت إقامتي إلى صنعاء، وأخبرتها أني أعمل معلما بمدرسة أهلية خاصة، فقالت : إبحث لي عن فرصة عمل بأي مدرسة أو جامعة أهلية، ومنزل للإيجار بعد ذلك، قلت لها : ابعثي لي بسيرتك الذاتية، ففعلت، وعندها تشرفت لأول مرة بمعرفة اسمها الحقيقي، الرباعي كاملا.
بعثت بسيرتها عبر الوتس لمدير مدارس ... الأهلية، فقال لي : أحضرها غدا إلى المدرسة، أخبرتها؛ ففرحت وقالت : ستسافر مع أخيها بالغد إلى العاصمة صنعاء، وفي مساء اليوم التالي تواصلت بي عبر الوتس تخبرني أنها وصلت صنعاء، فقلت لها : الحمد لله على السلامة، غدا باكرا بالثامنة نتقابل، وأعطيتها العنوان كاملا للطريق إلى المدرسة ومكان المقابلة.
وكان من بين ما ردت به تلك الليلة أن قالت لي : سبحان الله...ما كنت أظن يوما أنني سوف أحضى بشرف مقابلتك أخي على أرض الواقع بعد تواصل دام بيننا ثلاثة أعوام على العالم الإفتراضي.
شعرت أنها كانت سعيدة جدا، ومتحمسة، متشوقة لعملها، ولحياتها الجديدة ومستقبلها بصنعاء، ولمقابلتي، وأخبرتها عن نفس الشعور بي، وعن تهيبي للقائها ومقابلتنا الأولى، وحدثتها عن طبع الحياء والخجل البالغ بي منذ صغري، كسمة من سماتي الشخصية، وأنني سوف أحضر لمقابلتها وأخيها مصطحبا زوجتي معي لأخفف بذلك من شعوري الفطري بالخجل.
أبدت امتعاضها قليلا من نية اصطحابي لزوجتي قائلة : لا تجبرها إن رفضت ذلك؛ خوفا منها على شعور زوجتي ربما بالغيرة، فقلت : لا عليك أختي، هي موافقة، وفي صباح اليوم التالي خرجت أنا وزوجتي من منزلنا إلى سوق...لمقابلتها، وفي الطريق أتصلت بها، وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها صوتها، كانت فوق الباص هي وأخيها في طريقهما إلينا.
وصلت أنا وزوجتي سوق .....قرب المحطة، وهناك لمحت امرأة منقبة واقفة تحمل حقيبة يدها على كتفها، لها حضور قوي، وإطلالة مهيبة، مشرقة، أتصلت بها، قالت : أين أنتما؟ ؛ قلت : ها نحن أمامك على الجهة المقابلة، أنا الرجل الذي يرتدي كوتا أزرق، وتقف إلى جانبه زوجته.
شاهدتنا، وأشارت لنا؛ فمضينا إليها، وبدأت زوجتي تسلم عليها وتحتضنها، وسلمت عليها أنا كلاما ورحبت بها.
كنت أشعر بفرحة والكثير من الخجل وأنا أقابلها لأول مرة على أرض الواقع، وأرى اكتمال صورتها المثالية عندي من كل الجوانب، وبدت لي عيناها بهما من الفرحة والخجل الكثير ، وأدركت أن بها نفس ما بي من رهبة اللقاء الأول.
ثم سلمت على أخيها الذي جاء بعد دقائق من بقالة المحطة، فوجدته خلوقا جدا، دمث الحديث، قوي الحضور مثلها، وأخذت بيده، وأخذت زوجتي بيدها، واقتدناهما إلى المدرسة.
وهناك في إدارة المدرسة قابلنا المدير ، وأرته وأرتني كتاب رسالتها للماجستير ، وصعدت هي وزوجتي إلى الدور الأعلى للمقابلة والإختبار العملي للكفاءة؛ بينما انتظرت أنا وأخيها بالإدارة، وتحدثنا طويلا.
وبعد أن عاد المدير إلينا، أخبرنا عن أنه وقع معها عقد العمل، وشكرني قائلاً : شكراً لك أستاذ صالح على هديتك لنا، الأستاذة كفؤة جدا ومكسب كبير للمدرسة.
خرجنا أربعتنا بعد ظهر ذلك اليوم - الذي لن يمحى من الذاكرة - عائدين من المدرسة، وفي الطريق تحدثنا معاً، ودعوناهما بإلحاح لزيارتنا وتناول وجبة الغداء، فرفضا بلطفٍ قائلين : أن الأيام بيننا قادمة أن شاء الله؛ فلا نتعجل ضيافتهما.
وفي اليوم التالي قابلتهما مجددا بالمدرسة، وحين ودعتهما ونحن خارجين منها؛ قالت لي : سوف نعود بالغد إلى .... ، ومن هناك سوف نرسل لك بمبلغ من المال لتستأجر لنا بيتا، وقالت : سوف أعرس لأخي هذا بيوم 24 من سبتمبر الحالي، وسوف ننقل الأثاث ونسافر اليكم بصنعاء ب 29 سبتمبر إن شاء الله.
وفي المساء أخبرتني عبر الوتس عن مدى سعادتها بمقابلتنا ومعرفتها بزوجتي، وشكرتنا بإمتنان كبير ، وحدثتني لأول مرة عن مرضها بالقولون العصبي بعد أن أخبرتها أن زوجتي تعاني منه منذ سنوات.
وكان من بين ما حدثتها تلك الليلة وحدثتني : عن أمانيها ومستقبلها بصنعاء، ولمحت لها بخجل بالغ عن اكتمال صورتها المثالية والكبيرة عندي، وأخبرتها عن أمنية سابقة لي بحيازه زوجة أكاديمية، أو أديبة مثقفة، فسألتني مازحة : هل ستقبل زوجتك بزواجك من أخرى ضرة لها ؟!؛ فقلت لها لأرفع من منسوب ثقتها بنفسها : بالتأكيد لن تقبل؛ لكن إن كانت العروس بنفس مواصفاتك أنت أختي؛ فسوف أغامر ولا أبالي بالعواقب؛ وأضعها وأضع الجميع أمام الأمر الواقع، فصمتت طويلا وقالت :
غداً أحلامنا تزهر...أن شاء الله.
ثم سافرت باليوم التالي عائدة إلى....، ومن هناك أرسلت لي بمبلغ من المال لأستأجر لهما بيتاً، ففعلت وصورت غرفه كما طلبت، وبعثت لها بالصور؛ ففرحت ونال إعجابها، وفي اليوم التالي صباحا اتصلت بي صوتا، تستفسرني عن بعض التفاصيل حول البيت.
وفي مساء الأربعاء - 19 سبتمبر - حادثتها عبر الوتس، وشعرت أنها كانت -ليلتها- حزينة بائسة، ولكن لم تخبرني كعادتها عن ما مر بها وعن سبب حزنها، فحاولت مواساتها والتخفيف عنها كعادتي، فأرسلت لي هذه الابيات الغريبة من شعرها لأول مرة :

تغوص بداخل الأعماق روحي
تفتش عن شعور لي دفينا

وتسألني كثيرا حين أغفو
لماذا تمزقين وتعبثينا؟!

دعيني في سبات الجرح، إني
شربت اليأس، أدمنت الأنينا !!

وأسالها لماذا العمر يمضي
وليله يقتل الأحلام فينا ؟!

نداوي كل جرح ما استطعنا
وجرح القلب ينزف ما حيينا!!

كانت هذه الأبيات لها تحمل من غرابة الدافع والأسى واليأس الكثير ؛ كما لم تكتب يوما من قبل، ولم أقرأ لها من قبل.
لم ]يكن يخطر لي بعد إرسالها هذه الأبيات أنها بها كانت تنعي نفسها مسبقا وتودع، وأن لقائي بها في صنعاء على أرض الواقع..كان هو اللقاء الأول والأخير ؛ فداهمها الأجل؛ وماتت فجأة بجلطة حزن صباح الجمعة (21) سبتمبر (2018) بعد أن أدت صلاة الفجر، كما صدمني جدا بهذا الخبر أخوها، وأنا أتصل به يوم الأربعاء عصرا بعد وفاتها بخمسة أيام، بعد أن لاحظت غيابها الطويل لأول مرة عن الوتس، وأن آخر ظهور لها كان بتاريخ ليلة تلك الجمعة..التي لم أتواصل لسوء الحظ بها فيها.
في ذمة الله يا أختاه ، ستظلين حية بذكراكِ أيتها الطاهرة، النقية، العفيفة، والمربية، الكفؤة، الجليلة، والأكاديمية، الأديبة ، المثقفة ، يا أنجب من أنجبتهن اليمن من النساء، وخير من عرفت من الخيرات..الكاملات..
اللهم أرحمها، وأغفر لها، واعف عنها، وتجاوز عن سيئاتها، ووسع مدخلها، وأكرم نزلها، وتقبل منها اليسير ، وسامحها عن الكثير من الذنب والخطأ والتقصير ، وأسكنها فسيح الجنات، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة ، وألهم أهلها وذويها الصبر والسلوان، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقكِ يا أختاهُ لمحزونون.




التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقعنا الإلكتروني، الالتزام بالحوار البناء وآداب وقواعد النقاش عند كتابة الردود و التعليقات. وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع... مع كل الإحترام والتقدير إليكم من إدارة موقع منارة الشرق للثقافة والإعلام.